أحيانًا، لا نحتاج أن نسأل أبناءَنا: هل تُحبّوننا؟
يكفي أن ننظر… إلى طريقة حديثهم معنا، إلى اقترابهم، إلى ثقتهم، وإلى ذلك الأمان الذي يعودون به إلينا حين يُرهقهم العالم.
ما سأشاركه الآن ليس اتهامًا لأحد، ولا مثاليّةً مُتعالية في التربية، بل قراءةٌ إنسانيّة هادئة في إشاراتٍ صامتة، تُخبرنا كيف يظهر حبُّ الأبناء حين نُربّي بالاحتواء لا بالخوف، وبالطُّمأنينة لا بالسيطرة.
استمعوا… بقلوبكم.
حبُّ الأبناء لوالديهم لا يُقاس بكثرة الطاعة، ولا يُختصر في كلماتٍ عابرة،
بل يتجلّى في السلوك، وفي القُرب، وفي الكيفيّة التي يشعر بها الابن وهو مع والديه.
وفيما يلي بعض الدلالات النفسيّة والتربويّة التي تُشير إلى حبٍّ ناضج، نشأ في بيئةٍ آمنة:
- يُحاورك ويتحدّث معك دون تهيُّب
لأنّه تعلّم أن صوته مسموع، لا مُدان.
- يراك قُدوةً قبل أن يراك سلطة
فالتربية بالفعل تُنشئ احترامًا أعمق من الأوامر.
- يستأنس برأيك في قراراته
لأنّك كنت مُرشدًا، لا مُتحكِّمًا.
- يشتاق إليك ويفرح بلقياك
فالاشتياق ثمرة علاقةٍ آمنة، لا واجبٍ ثقيل.
- يتأثّر بحُزنك ويضيق لغضبك
لأنّ التعاطف نَما في بيتٍ لم يُهمَل فيه الشعور.
- يدافع عنك ولا يقبل الإساءة إليك
فالطفل الذي حُفظت كرامته، يحفظ كرامة والديه.
- يميل إلى القُرب منك والجلوس معك
لأنّ النفس تنجذب لمن يمنحها الدفء.
- يبوح لك بأسراره وأخطائه
وهذه من أعلى درجات الثقة النفسيّة.
- يأنس بعناقك ويطمئن بلمستك
فالجسد لا يُجامل حين يشعر بالأمان.
- يُعبّر عن حبّه لك دون حرج
لأنّ الحبّ في بيته لم يكن ضعفًا.
- يسأل عنك رغم انشغاله
فحضورك ثابتٌ فيه، لا مرتبطٌ بالوقت.
- يسعى لرضاك دون أن يُلغي ذاته
وتلك علامة توازنٍ نفسيٍّ صحيّ.
- يتقبّل توجيهك دون انكسار
لأنّ النصح لم يكن يومًا إهانة.
- يلتقط تغيّرك النفسيّ قبل كلامك
فالانتباه العاطفيّ مهارة تُزرَع مبكّرًا.
- يحترمك أمام الناس وفي غيابك
لأنّ الاحترام لا يُفرَض… بل يُكتسَب.
- يخدمك بعفويّة لا بتكليف
فالعطاء الذي يولد من الحبّ مختلف.
- يحمل اسمك بفخرٍ لا بثِقَل
فالانتماء شعور، لا وصيّة.
- يدعو لك بظهر الغيب
وحينها يبلغ الحبّ مرحلة النُّضج.
- يعود إليك عند ضعفه قبل قوّته
لأنّك كنت له مأوى، لا محكمة.
- يُشبهك في القِيَم قبل الملامح
لأنّ التربية الحقّة تترك أثرها في الداخل.
وهنا… قد لا يكون السؤال:
هل يُحبّنا أبناؤنا؟
بل: كيف يشعرون وهم معنا؟
إلى مَن يعودون حين يضعفون؟
وأيّ صورةٍ نتركها في دواخلهم
حين نغضب، وحين نختلف، وحين نُخطئ؟
لعلّ الحبّ لا يُطلَب، ولا يُؤمَر به، بل يُربّى… ويُرى أثره حين نغيب عن الكلام، ويبقى السلوك شاهدًا.



