في عمق واحات الأحساء، حيثُ تتشابك جذور النخيل مع تاريخ الأرض، ينبثق سحر التمر الذي لا يُضاهى وهنا، لا تُقطف ثمرة التمر فقط، بل تُروى قصة الأرض وصبر الإنسان، وتُحاك حكايات من العراقة والوفرة.
مهرجان التمور 2026 ليس مجرد احتفال، بل هو نافذة تطل على كنوز الواحة الذهبية، حيث تتلاقى الأصالة مع التجديد، ويتجدد العهد مع كل موسم، في هذا المهرجان، تتحول النخلة إلى رمز حياة يُحيي ذاكرة الأحساء ويغذي روحها، ليبقى التمر سحر ينبع من أعماق الجذور.
وحين تطأ قدماك أرض المهرجان، تستقبلك ظلال النخيل الوارفة كأنها احتضان دافئ من الطبيعة؛ تلك الظلال ليست مجرد ظلٍّ بل هي فسيفساء تاريخية من عراقة تمتد آلاف السنين، تعكس علاقة الإنسان بالأرض عبر الزمن .. النخلة هنا ليست مجرد شجرة، بل كائن حي ينبض بالحياة، يحمل بين أغصانه مئات الأصناف التي تعكس تنوع البيئة ومهارة المزارعين من “الخلاص” ذو المذاق الحلو والرائحة العطرة، إلى “الرزيز” الذي يتميز بنكهته الغنية، ومن “الشيشي” إلى “السكري”، كل صنف يحكي قصة تربة، وماء، وشمس، وعناية.
في سوق التمور، تتجلى روح المهرجان الاقتصادية، حيث تتلاقى أيادٍ كثيرة: من مزارعين ورثوا أسرار النخيل عبر الأجيال، إلى تجار محنكين يبحثون عن الجودة والتميز، إلى مستهلكين يقدّرون قيمة التمر الأصلي؛ فـ السوق مصمم ليضمن العدالة والشفافية، مع لجان مختصة بفحص جودة التمور وتصنيفها.
هنا، لا تتحدث الأرقام فقط، بل تتحدث الحكايات عن موسم حار أو معتدل، عن عناية فائقة في الحصاد، وعن دفء العمل الجماعي. ويتجاوز السوق دوره التقليدي ليصبح مركزًا حيويًا للتواصل التجاري، وعقد الصفقات، وتبادل الخبرات، مما يدعم الاقتصاد المحلي ويرسخ مكانة الأحساء في الأسواق العالمية.
وتحت سماء المهرجان الصافية، تُقام المزادات اليومية التي تعد من أبرز فعاليات الحدث. في هذه اللحظات المشحونة بالحماس، يُعرض أجود التمور أمام جمهور متفاعل، يراهن على جودة وتميز المنتج؛ فـ المزادات ليست مجرد عملية بيع، بل هي احتفال بثمار العمل الشاق والمتواصل، تقدير للجهود المبذولة في كل مرحلة من مراحل الزراعة والحصاد.
لا يكتفي مهرجان التمور بعرض التمر الطازج، بل يفتح أبوابًا واسعة لعالم الصناعات التحويلية التي تضيف قيمة جديدة لهذا المنتج الطبيعي، أجنحة خاصة تعرض تشكيلة واسعة من منتجات التمر التي تمتد من دبس التمر الكثيف والحلو، إلى الحلويات التقليدية مثل المعمول، وصولاً إلى منتجات عصرية مثل المشروبات الصحية التي تستفيد من خصائص التمر الغذائية، كما يُبرز المهرجان مستحضرات التجميل الطبيعية المستخرجة من التمر والتي تلقى رواجًا متزايدًا في الأسواق المحلية والعالمية، ما يعكس قدرة الأحساء على الجمع بين التراث والابتكار لخلق اقتصاد مستدام ومتنوع.
تتجاوز فعاليات المهرجان الجانب الاقتصادي لتشمل بُعدًا ثقافيًا تراثيًا غنيًا، تعرض الفنون الشعبية العريقة مثل الرزفة والحواري والمزمار، ويُقام فيها سرد حيٌّ لقصص جني التمر وأساليب الحصاد التي توارثها الأجداد، في أمسيات تراثية تحييها الفرق الشعبية، المعارض المصاحبة توثق تاريخ النخلة في الأحساء، وترصد أهميتها في حياة الإنسان على مر العصور، فتجعل الزائر يعيش تجربة حسية وفكرية متكاملة تعزز الارتباط بالتراث وتمكن من نقل المعرفة للأجيال الجديدة.
يولي المهرجان أهمية خاصة للجانب العلمي والتعليمي، عبر تنظيم ورش عمل ومحاضرات مهنية تستهدف المزارعين وأصحاب المشاريع الزراعية، وكذلك الباحثين والمهتمين، تناقش هذه الورش أحدث تقنيات الزراعة المستدامة، وأساليب تحسين جودة الإنتاج، وأفضل الطرق لتسويق التمور محليًا وعالميًا. كما تركز على استراتيجيات المحافظة على النخيل من الأمراض والآفات، وتطوير استغلال الموارد الطبيعية بكفاءة؛ هذه المبادرات تعكس توجه المملكة الطموح في دعم الاقتصاد الزراعي وتعزيز الأمن الغذائي الوطني.
يحرص المهرجان على أن يكون شاملًا لكل أفراد المجتمع، لذلك خصص مناطق ترفيهية وتعليمية تفاعلية للأطفال والعائلات، تجمع بين المتعة والتعلم. هناك، يتعرف الصغار على مراحل نمو النخلة والتمر بأساليب مبسطة وشيقة، من خلال ألعاب تعليمية، ورسم، وورش عمل تحكي لهم قصص الواحة وأسرار الطبيعة. هذه التجارب تهدف إلى غرس حب الأرض والتراث في قلوب الأجيال القادمة، وتأصيل قيم العطاء والاستدامة.
في نهاية المطاف، يتبلور مهرجان التمور في الأحساء 2026 كحدث يضيء سماء الواحة، ويجمع بين الأصالة والتجديد، بين الإنسان والأرض، بين الماضي والحاضر. إنه احتفاءٌ بكنز ذهبي يُمثّل هوية وطنية واقتصادًا نابضًا، ورؤية مستقبلية تدعو إلى استدامة العطاء. في كل حبة تمر تُقطف، وفي كل نشاط يُقام، ينبثق سحر الأحساء، ويُكتب فصل جديد في قصة النخلة التي لا تموت، بل تظل تروى من جيل إلى جيل، لتظل الأحساء واحة الحياة والكرم والوفرة.




