في خضمّ تسارع الحياة وتزايد الضغوط، لم يعد السلام الداخلي ترفًا يُطلب عند الفراغ، بل ضرورة إنسانية لحفظ التوازن النفسي والعقلي. وليس كل بقاءٍ دليل قوة، ولا كل صبرٍ عبادة، فبعض ما يعتاده الإنسان ويُطيل احتماله كان الأولى أن يبتعد عنه منذ البداية.
يؤذي الإنسان نفسه حين يتعايش مع ما يثقله، وحين يُقنع قلبه أن الأذى سيزول مع الوقت، بينما بعض الأوجاع لا تزول، بل تُنهك الروح بصمت. وقد حذّر القرآن الكريم من هذا المسلك بقوله تعالى:
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾،
فالتهلكة لا تكون دائمًا في قرار خاطئ ظاهر، بل قد تكون في الاستمرار داخل علاقةٍ مُرهِقة، أو فكرةٍ تُطفئ الطمأنينة، أو صمتٍ طويل على ما يؤلم.
السلام يبدأ من الداخل:
أولى خطوات السلام الداخلي هي الصدق مع النفس، وسؤالها بوضوح:
هل ما أعيشه اليوم يقرّبني من الطمأنينة، أم يسلبني هدوئي تدريجيًا؟ وقد وضع النبي ﷺ ميزانًا دقيقًا لهذا التساؤل حين قال: «البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في الصدر وإن أفتاك الناس».
الاعتزال وعيٌ لا قطيعة:
الاعتزال لا يعني الخصومة، ولا ضعفًا في المواجهة، بل هو وعيٌ يحفظ للإنسان قلبه وعقله. وقد عبّر القرآن عن هذا المعنى بقوله تعالى:
﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾،
فبعض السلام لا يُنال إلا بالابتعاد عمّا يُرهق النفس ويستنزف الطاقة.
خارطة طريق نحو السلام الداخلي:
حماية العقل:
بترك ما لا يعني الإنسان، والابتعاد عن الجدل الذي يستنزف الفكر والطاقة.
قال رسول الله ﷺ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه».
حفظ الروح:
بالقرب من الله، فالقلوب المتعبة لا تجد سكينتها الحقيقية إلا في الذكر، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
اختيار الرفقة:
فالإنسان يتأثر بمن حوله صلاحًا أو تعبًا، وقد نبّه النبي ﷺ إلى هذا الأثر بقوله: «المرء على دين خليله».
العفو ثم الترك:
عفوٌ يحرّر القلب من الثقل، وتركٌ يحفظ السلام الداخلي، قال تعالى:
﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾.
ختاماً:
إن اعتزال ما يؤذي الإنسان ليس كراهيةً للآخرين، بل محبةً للنفس، وحفظًا لحقها في حياةٍ أكثر هدوءًا واتزانًا. فالسلام الداخلي قرار شجاع، لا يُتخذ بعد الانكسار، بل قبله… ومن أحسن اختياره نجا.




