في الأحساء، حيث لا تُصنع المناسبات على عجل، ولا تُقدَّم التفاصيل بلا روح، ينبثق التراث بأبهى صورة، يحمل أثر الأرض ويشبه أهلها في هدوئهم وعمقهم وإتقانهم؛ ومن هنا، جاءت مشاركة ألمى للقهوة المختصة في مهرجان البشت الحساوي ٢٠٢٦، مشاركة ليست مجرد حضور عابر، بل امتدادٌ واعٍ لحكاية المكان، وتجسيدٌ صادق للارتباط بين القهوة والهوية، لا على مستوى الشكل فقط، بل على مستوى الجوهر الذي يسكن في عمق كل تفاصيل هذا الحضور.
مهرجان البشت الحساوي، أيقونةٌ للكرامة والحرفة، واحتفالٌ بذاكرةٍ تنتقل من يدٍ إلى يد، يُبرز البشت كرمزٍ للوقار والاعتزاز، فهو لباسٌ يعكس عمق الأرض وصدق أهلها؛ وفي هذا المشهد، بدا حضور ألمى طبيعيًا ومتناغمًا، إذ أن القهوة، حين تُقدَّم بوعي وبصنعة متقنة، لا تقل شأنًا عن الحرفة الأصيلة، فهي نتاج صبرٍ ومعرفةٍ وعنايةٍ دقيقة بكل تفصيل.
إن فنجان القهوة المتوشح بالبشت لم يكن مجرد عرضٍ تجاري، بل مشهدٌ بصري يحمل دلالةً عميقة، يعكس احترام ألمى للمكان والمهرجان والروح التي تَسكن فيهما. لم يكن هذا الحضور مصادفةً عابرة، بل نتاجُ من العمل المتواصل.
حيث سُئل كل تفصيل: هل تشبه الأحساء؟ وهل تعبّر عن روح ألمى وأصالته؟
كان وراء هذا الإنجاز فريقٌ مميز من الخبراء، يقوده الأستاذ عبدالحكيم، والأستاذ أحمد، والأستاذ عبدالله، الذين لم يكونوا مجرد مشغّلين للبوث، بل كانوا رواة تجربةٍ كاملة، بنوا علاقة متينة بين المكان والناس، وبين الفنجان واللحظة. فهم يدركون تمامًا أن القهوة المختصة ليست منتجًا يُقدَّم فحسب، بل هي رسالةٌ تروي حكايةً تحمل في طياتها تاريخ الأرض ودفء الإنسان.
ومع خيارات واثقة، قدمت ألمى ثلاثة محاصيل فاخرة، تعكس فلسفة واضحة وأصيلة: الجودة لا تحتاج إلى كثرة، بل تحتاج إلى وضوحٍ وصدقٍ في التعبير؛ المحصول البرازيلي بنكهته المتوازنة ودفئه المريح، يبعث الطمأنينة في النفوس، والمحصول الإثيوبي الذي يحمل في عمقه قصة الأرض الأولى للقهوة، يعبر عن الروح والعطر الأصيل. أما المحصول الكولومبي، فكان واضح الملامح ونقيًّا، يترك أثره بهدوءٍ دون تكلف أو ادعاء.
هكذا، تحولت القهوة والبشت في مهرجان الأحساء إلى أيقونة تراث تُروى ببطء، وحكاية أرضٍ تَنبضُ بالوفاء، لتصبح القهوة لغةً وذاكرةً، وحكايةً تُروى، لا تُنسى، وتعكس عمق الانتماء وحُسن التقدير لكل ما هو أصيل وعريق.





