لا تبدأ حكاية ليندا الفيصل من منصةٍ أُضيئت فجأة، ولا من تصفيقٍ جاء في وقته، بل تبدأ من لحظة وعيٍ مبكرة، حين أدركت أن للصوت مسؤولية، وأن الكلمة إن لم تكن صادقة، فلن تُنقذها البلاغة. هكذا تشكّل حضورها بهدوء، مثل فكرةٍ تنضج على مهل، لا تستعجل الوصول، لأنها تعرف أن المعنى لا يُدرك بالقفز، بل بالسير المتزن على دروب الحياة.
في عالمٍ يركض فيه الجميع نحو الضوء، اختارت أن تمشي في اتجاه الأثر، مؤمنةً بأن الرؤية لا تُرفع كشعار، بل تُمارَس كفعلٍ يومي يترك أثره الصامت. وحين شاركت في «الرحلة الإبداعية عبر المملكة»، لم تكن تقيس التجربة بما ستمنحه من ألقاب، بل بما ستضيفه من فهمٍ عميق، فجاءها المركز الأول في الرياض، والثالث على مستوى المملكة، كتأكيدٍ صامت أن الطريق الذي يُبنى على الوعي، يصل وإن طال.
ومن هذا الفهم، تشكّل وعيها بالتسويق لا كأداة إقناع، بل كمساحة أخلاقية، فكان لقب «قائدة التسويق الهادف» انعكاسًا لمسارٍ اختار الإنسان في قلب الرسالة، والمعنى قبل الانتشار. ومن هنا، بدا طبيعيًا أن تُطلق بودكاست «ليندا ورؤية 2030»، لا بوصفه حديثًا عن الرؤية، بل امتدادًا لها، حوارًا مفتوحًا مع الشباب حول الفرص التي تمر خجولة، وتنتظر من يراها بعينٍ واعية وصادقة.
ومع اتساع الصوت، انتقل إلى الأثير، حيث قدّمت برنامج «ننمو ونحلم» عبر إذاعة UFM، لتصبح أصغر مذيعة راديو سعودية، لا لأن العمر سبق التجربة، بل لأن التجربة وجدت من يحملها بصدق وإخلاص. هناك، كانت تخاطب الأطفال كما لو كانوا شركاء في الغد، تمنحهم لغة الحلم الأولى، وتزرع فيهم الثقة قبل الإجابة، وكأنها تُعدهم لصوتهم الخاص الذي سيصنع المستقبل.
هذا الهدوء الواثق حملها إلى فضاءات الحوار العالمي، حيث شاركت في منتدى مسك العالمي، وقدّمت ريو فرديناند، ثم أدارت جلسة مع كريس بارتون، مؤسس Shazam، حول «تعلّم حبّ المشاكل». لم تكن الجلسة مجرد نقاش، بل تمرينًا على الإصغاء، وفهم أن الأسئلة الصعبة ليست عائقًا، بل بداية تفكير مختلف يفتح أبوابًا جديدة للابتكار.
وحين التفتت إلى التاريخ، لم تنظر إليه كصفحاتٍ منتهية، بل كجذرٍ حيّ يمتد إلى الحاضر. في سلسلة «الأمير طلال بن عبد العزيز – أمير الفكر والإنسانية»، ضمن برنامج «طلال: تاريخ تقرأه الأجيال»، أعادت تقديم القيم الإنسانية بوصفها فكرة مستمرة، قادرة على العيش في زمنٍ جديد، لأن الذاكرة حين تُروى بوعي، تتحول إلى مستقبل يُصنع اليوم.
ومن الكلمة إلى الصورة، وقفت في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي كأصغر مقدّمة برامج، وقدّمت «أصوات الغد»، لتمنح صنّاع الأفلام الصاعدين مساحةً للحلم والظهور، مؤكدةً أن السينما ليست شاشة فقط، بل نافذة على الذات، وعالمًا يُتيح للموهبة أن تتنفس. ثم في جوائز جوي، حاورت نجوم العالم، من شاروخان إلى ميلي بوبي براون، ومن فوريست ويتكر إلى لي بيونغ هون، بثباتٍ لا يندهش ولا يتراجع، لأن تمثيل الوطن يبدأ من الاتزان قبل الأضواء.
وجاء اختيارها من معالي المستشار تركي آل الشيخ تعبيرًا عن ثقةٍ في وعي الشباب السعودي، وفي قدرتهم على حمل المسؤولية قبل الألقاب، وفي فعاليات «الرمل والمرح» ونادي الطيران السعودي، وبحضور الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز، أدارت حواراتٍ كان فيها الحلم يتعلّم شكله الأول قبل أن يتحوّل إلى جناح.
وفي كأس السعودية، وقفت كأصغر متحدث رئيسي، تتحدث عن تمكين المرأة والشباب بوصفه ممارسة واقعية، لا خطابًا مؤقتًا، وعن رؤية 2030 باعتبارها مساحة مفتوحة للقيادة والإبداع. وتكامل هذا المسار حين قدّمت مبادرة «10KSA»، حيث صار الإعلام رسالة حياة، ووعيًا يتجاوز المنصات. أما في منتدى الإعلام السعودي، فأدارت جلسة «المواهب السعودية والإعلام: قصة لم تُروَ بعد»، وكأنها تشير إلى إيمانها العميق بأن الوطن مليء بالأصوات، وما ينقصها هو الإصغاء.
ليندا لا تسعى لأن تكون في مقدمة المشهد، ولا تقف خارجه، بل تمشي داخله بإيقاعٍ يعرف متى يتقدّم ومتى يتأمل. كل خطوة لها، وكل كلمة تُقال، هي جزء من مسارٍ يخطّ المعنى قبل أن يراه الآخرون. تؤمن أن الرؤية ليست موعدًا ننتظره، بل طريق يُعاش، وأن التأثير لا يُقاس بالألقاب ولا بالضجيج، بل بالهدوء الذي يُنمي ثقة الآخرين ويُصقل الأفكار.
في هذا المسار، يصبح صوتها واثقًا، ليس لأنه الأعلى، بل لأنه صادق وممتلئ بالوعي، ومسارها يخلق الغد الذي يستحقه من ينصت للأصوات الواعية. فالمستقبل حين يُصغي لصوتٍ يعرف طريقه، لا يتأخر، بل يقترب بهدوء، ويُبنى على إرادة وإيمان، لتصبح كل كلمة، وكل فعل، شهادة على أن الإصرار الهادئ قادر على صناعة غدٍ أفضل.




