كأن الليلُ يوشّح السماء بحنانه الأخير، والناسُ منشغلون في دوراتهم اليومية التي لا تهدأ،
حين بدأ الخبر يتسرّب خفيفًا… همسًا… كأنما يجيء على أطراف نورٍ بعيد:
“لم يتبقَّ على قدومه سوى أيام…”
تلتفت الأرواح فجأة، ويتوقف في الداخل صوتٌ لا يُسمع، لكنه يهزّ شيئًا في الأعماق.
ترفع القلوب رأسها من بين مشاغلها، تتشمّم الهواء، وكأنها تعرف هذه الرائحة من قبل…
رائحة رمضان.
البشرى الأولى… حين يمرّ النسيم حاملاً وعدًا
كنتُ في الطريق حين شعرتُ أنه ليس نسيمًا عاديًا، بل نفحةٌ تُشبه يدًا تربّت على كتف العالم المتعب.
كأنها تقول لنا:
“اقترب موسم النور… هيئوا قلوبكم.”
ومنذ تلك اللحظة، تغيّر شيء في الإحساس.
صار للحياة إيقاع أكثر بطئًا… أكثر دفئًا…
وكأن الزمن نفسه يستعدّ معه، ويقلّل قليلاً من سرعته احترامًا للقادم.
حكاية الناس حين يقترب رمضان
أعرف رجلًا كانت بينه وبين أخيه مسافاتٌ من الصمت، فلما سمع بقرب الهلال، رأيته يفتح درج الذاكرة ويُخرج منه الشوق الذي دفنه.
وأعرف امرأة كانت منكسرة القلب، فلما خطرت على بالها أيام الرحمة، شعرت وكأن يدًا خفية ترمم شقوق روحها.
هكذا يفعل رمضان…
يضع بين أيدينا مفاتيح صغيرة، تفتح أبوابًا أغلقناها طويلًا خوفًا أو عنادًا أو نسيانًا.
رمضان لا يدخل البيوت… بل يدخل النفوس
قبل أن تُضاء الفوانيس، وقبل أن تمتلئ الموائد، يطرق رمضان أبواب القلوب أولًا.
يسألها بلطف:
هل أنتم جاهزون لنسخةٍ أفضل من أنفسكم؟
ليس المطلوب أن نكون مثاليين، بل أن نكون صادقين في محاولة العودة…
عودة إلى الله، إلى الهدوء، إلى محبة الناس، إلى أنفسنا التي ضاعت منا في زحمة الأيام.
لحظة النور… حين ينكسر شيء في الداخل لينصلح
كلما اقترب الشهر، أحسّ أن الدنيا تميل قليلًا نحو السلام.
تضعف المشاحنات… تهدأ الأصوات…
وكأن العالم ينفض عن كتفيه تراب العام الماضي ليستقبل ضيفًا لا يستحق إلا الصفاء.
كم من خلافٍ دفين ينتهي في هذا الموسم!
وكم من قلبٍ كان متعبًا فوجد في رمضان راحة لا تشبه شيئًا!
وعلى أبواب الشهر… نكبر نحن
نُدرك فجأة أن العمر يمضي، وأن أجمل ما في رمضان هو الفرصة التي يحملها.
فرصة أن نصالح، أن نُسامح، أن نمد الجسور من جديد.
أن نضع أيدينا في أيدي من أحببنا، وأن نبتسم بصدق لأولئك الذين عبروا حياتنا يومًا وتركوا أثرًا.
ختام الحكاية… وبداية رمضان
ها نحن على بعد أيام قليلة، نقف مثل طفلٍ ينتظر هلالًا صغيرًا ليغيّر عالمه.
ننظر للسماء، فنرى فيها وعدًا…
ووعد رمضان لا يخلف:
إذا دخل، دخل معه الخير، والسكينة، والأمل.
اللهم بلّغنا رمضان بلوغ شوقٍ طال، وبلوغ قلبٍ صالح، وروحٍ متخففة من أثقالها.
واجعل أيامه لنا بداية لا تشبه أي بداية…
وبابًا جديدًا للسلام مع أنفسنا ومع من نحب.
——————————–



