ليست المساجد التاريخية مجرد جدران ترمم، بل ذاكرة تستعاد، وحجارة تحمل عبق الزمن وأصوات العلماء الذين مشوا بين أروقتها؛ وكل حجر يعاد ترتيبه، كأنه يعيد تثبيت معنى غاب طويل في زحام العصر.
وحين تُجدد المساجد في الأحساء، يتجلى حضور الشيخ العلامة أبو بكر الملا، كفكرة حية وروح تتجول بين المآذن، وضمير يقظ يسكن المكان. كان الشيخ العلامة أبو بكر الملا شيخ الاسلام في الأحساء في زمانه، ومرجعا عالميا في الفقه الحنفي والحديث النبوي، وقد امتدت شهرته الى آفاق العالم الاسلامي، فتوافد إلى رباطه طلاب العلم من الحجاز، والعراق، وبلاد الشام، واليمن، والهند، وسائر الأقاليم، يحملون شغف المعرفة وروح البحث عن الحقيقة.
وكان أثر العلامة أبو بكر الملا في ترسيخ العدل أثرا علميا وأخلاقيا راسخا، إذ قصده الناس في خصوماتهم ونوازلهم، لا بسلطة منصب، بل بثقة في علمه ورسوخ بصيرته؛ وكان يصلح بين المتنازعين، ويرد الحقوق إلى نصابها بكلمة موزونة ورأي سديد، فيقرب بين القلوب قبل أن يفصل بين الآراء. وهكذا غدا حضوره ميزانا يطمئن إليه الناس، ودليلا على أنّ العالم الرباني قادر بعلمه وحكمته على تثبيت معاني الانصاف في المجتمع.
كان المسجد عند الشيخ العلامة أبو بكر الملا مدرسة ضمير، والتعليم فيه وسيلة لصقل القلوب قبل العقول. وعبر رباطه، رباط الشيخ أبو بكر الذي استقبل أجيالا من الطلاب من مختلف أنحاء العالم الاسلامي، ونهلوا من علمه العميق، ثم عادوا إلى بلدانهم يحملون إرثه الفكري والروحي، ناشرين قيم الإنصاف، والأمانة العلمية، والاعتدال في الفتوى.
واليوم مع كل مشروع لإحياء المساجد التاريخية، يبدو وكأنّ روح العلامة أبو بكر الملا تعود لتهمس في ضمائر الناس، وتعيد للطلاب معنى العلم والفقه والضمير، مؤكدة أنّ المسجد ليس صرحا من الحجر فقط، بل مدرسة أخلاقية وروحية تربط بين الماضي والحاضر والمستقبل.
ويستمر هذا الإرث في أحفاد العلامة أبو بكر الملا، ومنهم الشيخ البروفيسور عبدالإله الملا، عضو هيئة كبار العلماء، ومفتي المنطقتين الشرقية والحدود الشمالية، ليواصل نهج جده في نشر الفقه والعدل، ويؤكد أنّ العلم رسالة ممتدة عبر الاجيال، لا تنقطع بانقطاع الاشخاص، بل تتجدد في النفوس والاعمال.
كأنّ روح العلامة أبو بكر الملا تتجسد اليوم مع كل مشروع لإحياء المساجد التاريخية، تتجول بين جدرانها المرممة ومآذنها التي عاد إليها بريقها في كل حجر يعاد ترتيبه، وفي كل محراب يضاء من جديد، نشعر بعبور روح عالم رباني علّم أجيالا من شتى بقاع العالم الاسلامي، وترك بصمة واضحة في العلم والإصلاح وبناء الضمير.
حين نقف تحت قبة مسجد قديم أُعيد ترميمه بالأحساء، يتردد صدى ذلك العلم في الأركان. كم من قلب استضاء؟ وكم من طالب علم خرج من تلك الأبواب وهو يحمل شعلة هداية؟ كل حجر مرمم، وكل محراب مضاء، هو رسالة مستمرة تؤكد أنّ التّاريخ لا يختفي، بل يحيى في الضمائر، وأنّ الرسالة التي حملها العلامة أبو بكر الملا ما زالت تمضي بثبات في دروب الزمن.
وهكذا لا يعود الشيخ العلامة أبو بكر الملا مجرد شخصية في كتب التراجم، بل معيارا حيا، وصوتا مستمرا، ورسالة تتجدد مع كل جيل، حيث يكون العلم روح المكان، ويكون العدل ثمرة الحكمة، ويظل المسجد موطن النور قبل أن يكون بناء من حجر.



