وأنا أتصفّح النسخة الأخيرة من مسودة كتاب “سفراء الوطن… نماء عطاء” قبيل اعتماده للطباعة، وبالتزامن مع اليوم العالمي للمرشدين السياحيين لهذا العام، توقّفتُ طويلاً عند عددٍ من السير المضيئة التي تزخر بها صفحات الكتاب. غير أن هذه القراءة أخذتني عمق بعيد ، لأتأمل معكم مزيدا من سِيَر المرشدين، أولئك الذين شكّلوا بجهودهم ووعيهم صورةً مشرّفة للإرشاد السياحي .
ورغم أن جميعهم يتميّزون بالكفاءة والعطاء، فإن سيرةً بعينها فرضت حضورها، واستحقت أن تُوضَع في ميزان القارئ الكريم؛ لتقف في كفّةٍ وازنة من كِفَف مرشدي مكة المكرمة، بوصفها سيرةَ قامةٍ علمية ومهنية، هو المرشد السياحي عبد العزيز بن محمد رفع الدين بخش
ففي مكة المكرمة، حيث تولد المعاني وتشتدّ العزائم، خرج عبد العزيز بن محمد رفع الدين بخش، حاملاً رسالة تربوية وثقافية، وملامح قائد يرى في الإنسان قيمة وفي الحوار سلماً نحو البناء.
ولد ونشأ في أم القرى، وتربّت خطواته بين أروقة التعليم وبرامج العمل المجتمعي، ليحمل معه رؤية تستند إلى قيم الحوار والتنوير. متزوج، ومن حياته الأسرية استمدّ توازناً عاطفياً يعينه على اتساع المسؤوليات وتعدّد الأدوار.
بدأ (بخش) مساره العلمي ببكالوريوس علوم “أحياء” من جامعة الملك عبد العزيز بجدة بدرجة جيد جداً، ثم عزّز فهمه للتربية الإنسانية بدبلوم في علم التربية من جامعة أم القرى بالدرجة ذاتها، ليؤسس بذلك قاعدة معرفية صلبة ينطلق منها نحو التوجيه والتأثير.
دخل إلى ميدان التعليم معلماً عشر سنوات، عرف خلالها معنى التأثير المباشر، ثم انتقل إلى إدارة النشاط الطلابي في مكة، مشرفاً ثم رئيساً، حتى صار اليوم مساعد مدير إدارة النشاط الطلابي ورئيس قسم النشاط الثقافي، ليكون جزءاً من صناعة الجيل وتوجيه مسارات الإبداع الطلابي.
لم يتوقف دوره عند أسوار التعليم، بل خرج إلى فضاءات الحوار والفكر، فشغل منصب مدير مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني بمكة المكرمة سابقاً، والمشرف العام للمعرض الدائم للحوار، وعضواً في فريق التحكيم والتمكين الحواري داخل المركز. شارك مستشاراً في منتدى النزاهة، وترأس لجنة المسابقات في مهرجان الحجاز للإبداع، وانتخب عضواً في مجلس إدارة الجمعية السعودية للمرشدين السياحيين.
كان (بخش) جزءاً من مشاريع “ملتقى مكة الثقافي” تحت شعار كيف نكون قدوة، وعضواً في لجان التحكيم وفرق التقييم لمسابقات التميز في الإمارة، مشاركاً في محاور الحوار الوطني عبر 12 دورة، وباحثاً في مؤتمرات خارج المملكة في القاهرة وماليزيا، حاملاً الهوية المحلية إلى فضاء الحوار العالمي.
وفي مسيرته البحثية والتربوية، ترك أثراً مكتوباً تجاوز 47 إصداراً بين بحوث ودراسات ونشرات وأوراق عمل امتدت من عام 2003 وحتى 1447هـ، تناول فيها مصادر التحسين المدرسي، القيادة، جودة التعليم، الانتماء، المبادرات، الإدارة الاستراتيجية، وتمكين القادة، إضافة إلى كتابة دلائل تطبيقية وبرامج عملية للميدان التعليمي.
أما رصيد التدريب والنمو المهني، فقد اكتمل بمسار نوعي غني، إذ حصل على أكثر من 31 دورة تدريبية في القيادة، التخطيط، إدارة المشاريع، تحليل المشكلات، التفكير الناقد، البروتوكول، إدارة المبادرات، TOT، إدارة الأزمات، مهارات الحضور الحواري، والتدريب في الاتحاد العربي، إضافة إلى برامج متقدمة في الحاسوب والاتصال وصعوبات التعلم.
يمزج (بخش) .. بين القيادة والعمل الميداني، وبين الثقافة والحوار، وبين الفكر والممارسة، يمضي بهدوء القائد الذي يصنع أثره لا بضجيج، بل بثبات حضور يتجلى في كل منصة وقف عليها، وفي كل فكرة حاور بها، وفي كل مبادرة أراد بها خير الإنسان والتعليم.




