وأنا أتصفّح النسخة الأخيرة من مسودة كتاب “سفراء الوطن… نماء عطاء” قبيل اعتماده للطباعة، وبالتزامن مع اليوم العالمي للمرشدين السياحيين لهذا العام2026م ، توقّفتُ طويلاً عند عددٍ من السير المضيئة التي تزخر بها صفحات الكتاب ، لأتأمل معكم مزيدا من سِيَر المرشدين، أولئك الذين شكّلوا بجهودهم ووعيهم صورةً مشرّفة للإرشاد السياحي .
ففي مكة المكرمة، تلك البقعة الطاهرة التي ولده على ارضها سيد البشر عليه أفضل الصلاة واتم التسليم حيث تولد المعاني وتشتدّ العزائم
وعلى نفس البقعة الطاهرة وُلد المرشد السياحي الانيق محمد عيد القثامي في الثالث والعشرين من فبراير عام 1968 بمكة المكرمة، المدينة التي ستصبح لاحقًا مسرحًا لمسيرته المهنية وفضاءً واسعًا لعطائه في الإرشاد السياحي. نشأ بين دروبها، واكتسب منذ طفولته ارتباطًا فريدًا بأحيائها وتاريخها وروحها، ارتباطًا نما معه حتى صار جزءًا من شخصيته ومساره المهني.
منذ شبابه، اتجه (القثامي).. نحو بناء قاعدة معرفية قوية، فاختار دراسة اللغة الإنجليزية بجامعة الملك عبدالعزيز، حيث حصل على درجة البكالوريوس عام 2005. منحته هذه اللغة جسرًا واسعًا للتواصل مع زوّار من مختلف الجنسيات والثقافات، ليصبح بعدها قادرًا على تقديم صورة ناصعة عن وطنه ومقدساته.
وفي عام 2007، حمل (القثامي) رخصته الرسمية كـمرشد سياحي معتمد، ليبدأ مسيرة تمتد لأكثر من سبعة عشر عامًا في خدمة الزوار والمعتمرين والسياح. لم يكن مجرد مرشد؛ بل كان أحد سفراء الوطن، وواحدًا من الرعيل الأول الذين أسسوا لهذه المهنة ورفعوا من مكانتها، كما كان أحد أعضاء أول مجلس منتخب من مرشدي العاصمة المقدسة.
تميّز (القثامي) بالاحترافية في تقديم تجربة سياحية ثرية وممتعة، والقدرة على إيصال المعلومة بأسلوب شيّق، مع شغف كبير بالتعريف بتاريخ المملكة ومعالمها وثقافتها، خاصة المسارات التاريخية في مكة المكرمة والمواقع الطبيعية الفريدة في مختلف المناطق. وكان حضوره لافتًا في الفعاليات والمعارض الثقافية، وفي دعم مستهدفات رؤية 2030 المتعلقة بتعزيز قطاع السياحة، عبر الإسهام في نشر الوعي السياحي وتجويد التجارب المقدمة للزوّار.
ومن التجارب الاستثنائية في مسيرته مشاركته في الإرشاد والاستقبال ضمن سفينة السلام بمدينة جدة، التي ضمت جنسيات عدة وثقافات متنوعة، وكانت بالنسبة له تجربة فريدة رسّخت قدرته على التواصل العالمي وتقديم صورة مشرقة عن المملكة وشعبها.
لم يكتف (القثامي) .. بالإرشاد فقط، بل تجاوز ذلك إلى التدريب، فحصل على اعتماد المنظمة العالمية للمرشدين السياحيين (WFTGA) كمدرب، ليبدأ في نقل خبرته لجيل جديد من المرشدين. شارك في برامج داخلية وخارجية، مثل برنامج التميز الإداري بالأكاديمية الألمانية، ودورات الإدارة، وخدمة العملاء، وتنمية القيادات، والبروتوكول، والتصوير الاحترافي، وصناعة المحتوى السياحي، ومسارات مكة والمدينة، وغيرها من الدورات التي صقلت شخصيته المهنية ورفعته في مجاله.
يمتلك (القثامي) .. أسلوبًا مميزًا في تقديم الجولات السياحية؛ أسلوب يعتمد على إثراء التجربة، وسرد القصص، وتوظيف المعرفة التاريخية والجغرافية بروح مكية أصيلة. كما برع في استخدام التكنولوجيا الحديثة في التسويق، وإعداد ورش العمل والتدريب، وإدارة العلاقات العامة، والتعامل مع كبار الضيوف بلباقة وأسلوب احترافي.
لغته العربية هي جذره الأول، لكن الإنجليزية كانت مفتاحه للعالم، فبفضلها استطاع أن يكون مرشدًا عالمي الحضور، واسع الأفق، قادرًا على تمثيل وطنه بأبهى صورة.
اليوم، يقف محمد عيد القثامي كأحد أبرز الأسماء في الإرشاد السياحي في مكة المكرمة، واسماً ترك بصمة واضحة في مهنته، رغم ابتعاده لفيرة وجيز على الواجهة ، وقدم نموذجًا للمرشد المحترف الذي يجمع بين المعرفة والمهارة والالتزام، ويواصل السير على خطى ثابتة نحو تطوير المهنة وخدمة الزوار بكل شغف وإتقان.




