التقيت بالمرشد السياحي فهد مصطفى عرقسوس قبيل ساعات من وفاته في مناسبة اجتماعية ، وكنت قدا شرعت في القاء الضوء على سير المرشدين السياحين عبر سلسلة يومية ، وكانت سيرة الراحل ضمن ثنايا مسودة كتاب “سفراء الوطن… نماء عطاء” قبيل اعتماده للطباعة ، بعد تلقي نبأ رحيله عصر السبت ، ذهبت اتصفح سيرته العطرة ، وبشكل استثنائي حرصت على نشره اليوم ، .
ففي سجل الحركة الكشفية والإرشاد السياحي، يتقدم اسم الرائد فهد مصطفى عرقسوس – يرحمه الله – كواحد من أبناء المنطقة الغربية الذين اختاروا طريق الخدمة، وتفرّغوا لبناء خبرة فاعلة في ميدان السياحة والعمل التطوعي. من مكة وجدة، حيث تتقاطع الروح والعالم، نشأ (عرقسوس) وهو يحمل رؤية ترتكز على أن الإرشاد ليس مهنة فقط، بل مسؤولية معرفية ورسالة إنسانية تعرّف بالوطن وتُجسّد قيمه.
عمله كمرشد سياحي وقائد، مكّنه من أن يكون صوت المكان وصورة المجتمع أمام الزوار، جاعلاً من المعرفة جسراً للتواصل، ومن القيادة أسلوباً للعطاء.
كان عام 2013م محطة بارزة في سيرته، إذ شارك في سلسلة من اللقاءات والمهمات الكشفية محليًا وعربيًا ودوليًا؛ فحضر المؤتمر العربي لرواد الكشافة والمرشدات، واللقاء العربي الثاني لرؤساء الرواد، والاجتماع التنفيذي الثالث للاتحاد العربي. وتجاوز حضوره حدود الوطن من خلال مشاركته في اللقاء العالمي للكشافة بماليزيا، ثم اللقاء الإقليمي العربي لتنمية العضوية، والمنتدى العربي للجمعيات الكشفية، إلى جانب اجتماع الأمناء العامين، والورش العربية لتنمية مهارات القيادة لدى الرواد.
ولم تكن مشاركاته مجرد حضور، بل استثمار في التطوير؛ حيث التحق بدورات نوعية في تنمية العضوية، وإعداد القادة، وإعداد قادة التدريب، وشارك في اجتماعات الاتحاد، ولجنة الإعلام والتوثيق، والمجلس التنفيذي، فضلاً عن اللقاء السنوي للرواد العرب واللقاء الخليجي، إلى جانب الدورة العربية للتخطيط الاستراتيجي وبرامج التدريب القيادي.
وعلى مستوى الحوارات والمنابر الإعلامية، كان لفهد حضور لافت؛ قدّم ندوة عن الحج ضمن برنامج أصدقاء الملائكة (2015)، وشارك عبر شاشة القناة السعودية (2016)، وأسهم في ورشة الإعلام السياحي بغرفة جدة، وتحدث في جمعية مراكز الأحياء ومعهد السياحة بجدة، كما استضافته قناة مكة الثقافية ونادي مكة الثقافي الأدبي، دعمًا للوعي السياحي وتعزيزًا لحضور المرشد كصوت للمكان.
كما شارك في فعاليات عامة وشرفية؛ منها الحملة الصيفية لنادي مكة الثقافي الأدبي (2013)، واحتفالية اليوم الوطني في جدة، والمؤتمر العربي الـ69 للرواد، والملتقيات العربية في الإمارات والأردن وتونس، مقدمًا نموذجًا للرواد الذين يسجّلون حضورهم بجهدهم، ويتركون أثرًا بعملهم.
وهكذا تتجسد سيرة فهد مصطفى عرقسوس في كونها مسيرة قائد آمن بأن خدمة الإنسان والزائر عمل نبيل، وأن الإرشاد طريق للمعرفة، وأن العمل الكشفي مساحة للانتماء والتأثير — أثرٌ يُروى، وتجربة تُسجَّل ضمن صفحات رواد العطاء ، وسوف تبقى سجلا وارثا وذكرى له
تشاركنا، كزملاء في مكتب رواد الكشافة بمكة المكرمة، مسيرة من العمل والود، كما جمعتني به مشاركات عدة في رحلات سياحية نظمها عبر مكتبه، فكان حاضرًا بروحه الطيبة وأخلاقه الرفيعة في كل موقف.
وفي يومه الأخير، كنا معًا، ولم يكن يفارق حرصه المعهود، إذ أصرّ على أن أتناول الإفطار فور وصولي إلى الموقع، وكان يحثني بلطف على أن أبدأ بالإفطار أولًا، ثم نواصل بعد ذلك توزيع المشروبات على الزملاء، في مشهد لا يُنسى، يعكس نُبل قلبه وسمو أخلاقه.
رحم الله فهد عرقسوس رحمةً واسعة، وغفر له، وجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وجزاه عما قدّم خير الجزاء. إنا لله وإنا إليه راجعون.




