نواصل معكم تصفّح صفحات مسودة كتاب “سفراء الوطن… نماء وعطاء” قبيل اعتماده للطباعة، وفي ليالي شهر رمضان المبارك التي تسمو فيها القيم وتصفو فيها النوايا، نقف عند عددٍ من السير المضيئة التي تزخر بها صفحات هذا الكتاب؛ سير رجالٍ جعلوا من الإرشاد السياحي رسالة، ومن خدمة الوطن مسؤولية، ومن التعريف بالمكان شغفًا يتجدد كل يوم.
ومن بين تلك الأسماء التي يشار إليها بالبنان في ميدان العمل السياحي، يبرز اسم المربي الفاضل المرشد المبدع إبراهيم محمد إبراهيم مصيري المولود في منطقة جازان عام 1395هـ، في بيئة بحرية وزراعية تركت في داخله شغفًا بالمكان وحكاياته. تنقّل في دراسته بين قرية المعبوج، ومتوسطة أبي بكر الصديق، ثم ثانوية معاذ بن جبل، قبل أن يشد رحاله إلى أبها ليكمل تعليمه الجامعي. هناك درس الجغرافيا في جامعة الإمام، وكان أول خريج بعد ترسيم جامعة الملك خالد. لم يتوقف عند ذلك، فواصل طريقه إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وعاد منها بشهادة الماجستير في علوم التربية من جامعة منيسوتا.
بدأت علاقة (مصيري).. بالإرشاد السياحي مبكرًا. في أيام الجامعة بأبها كان يصحب أصدقاءه في جولات يعرفهم فيها على معالم الجبال والوديان، يشرح لهم ويقصّ عليهم ما يعرفه عن تاريخ المكان وروحه. كان الإرشاد بالنسبة له شغفًا طبيعيًا قبل أن يكون مهنة. ومع مرور الوقت، أدرك أن عليه أن يحوّل هذا الشغف إلى مسار مهني، فتقدم إلى وزارة السياحة وحصل على رخصة الإرشاد عام 1432هـ، ليصبح مرشدًا عامًا ومتخصصًا في مكة المكرمة وجدة التاريخية وجازان والطائف وأبها.
منذ ذلك اليوم، قاد (مصيري).. ما يزيد على 1500 جولة سياحية، بعضها مرشدًا، وبعضها مشرفًا ومنسقًا. كان يرى في كل جولة فرصة جديدة لنقل حكاية، وتعريف زائر، وصناعة تجربة تبقى في الذاكرة. آمن بأن دور المرشد أكبر من سرد معلومات؛ إنه بناء علاقة بين الزائر والمكان.
لم يكتف بالعمل الميداني، بل عمل على تطوير مهنة الإرشاد من الداخل. أسّس جمعية المعالم السياحية بمكة المكرمة لتكون منصة تُعزّز الوعي السياحي، وتُعرّف المجتمع وزواره بالمعالم التاريخية، وتُؤهل الشباب والفتيات لمهارات الإرشاد. أصبحت الجمعية اليوم نموذجًا معتمدًا لدى وزارة السياحة.
أطلق (مصيري) وشارك في عشرات المبادرات التي أثرت المشهد السياحي، منها:مبادرة واعي، المرشد الافتراضي، مرشدي يتحدث لغتي، معالم خالدة، ضيافة حاج، معالم عبر الزوم، ومركز مكة للابتكار السياحي.
كانت هذه المبادرات تعمل على نشر الثقافة السياحية، وتطوير مهارات المرشدين، وتعزيز التواصل مع السياح من مختلف الدول واللغات.
وعلى مستوى التدريب، قدّم ستة برامج تخصصية في الإرشاد السياحي، من بينها برنامج “ياهلا” الذي درّب ثلاث دفعات بلغ عددهم 90 مرشدًا، وبرنامج صناعة البرامج السياحية الذي أهل 34 متدربًا. هذه البرامج ساهمت في رفع جودة المهنة وإعداد جيل جديد من المرشدين.
امتد عطاؤه إلى إعداد مسارات سياحية، وتوثيق مواقع تاريخية، والمشاركة في إعداد مواد علمية مثل: المسار التاريخي لمكة المكرمة، معالم مكة في القرآن والسنة، وميثاق أخلاقيات المرشد السياحي. كما شارك في مؤتمرات الحج، وورش العمل الوطنية، والشراكات مع الهيئة الملكية ودُور العلم، إلى جانب تعاون واسع مع مؤسسات مانحة أسهمت في دعم مشاريعه.
إبراهيم (مصيري) .. ليس مجرد مرشد؛ إنه قصة شغف تحوّل إلى أثر. جمع بين العلم والخبرة، وبين حب المكان وحب الناس، فأصبح نموذجًا للمرشد الذي يصنع تجربة، ويحفظ تاريخًا، ويقدم للزائر وجهًا ناصعًا
كما أن للأستاذ (إبراهيم مصيري ) جوانب مضيئة أخرى لا تقل إشراقًا عن مسيرته في الإرشاد السياحي؛ فهو إلى جانب ذلك قائد كشفي فاعل، وناشط اجتماعي حاضر في ميادين العمل التطوعي، ومعلم أجيال أسهم في غرس قيم المبادرة والعطاء في نفوس الشباب.
وقد تقاطعت مساراتنا معه في أكثر من محطة، سواء في الميدان الكشفي أو في العمل الاجتماعي، إلى جانب العمل في لامجال السياحي ، حيث لمسنا عن قرب روح القيادة التي يتحلى بها، وحرصه الدائم على خدمة المجتمع، وإيمانه العميق بأن العمل التطوعي رسالة إنسانية تتجاوز حدود المكان والزمان.
ــــــــــــ
قراءة من مسودة كتاب




