نواصل معكم تصفّح مسودة كتاب “سفراء الوطن… نماء وعطاء” قبيل اعتماده للطباعة، وفي ليالي شهر رمضان المبارك التي تسمو فيها القيم وتصفو فيها النوايا، نقف عند عددٍ من السير المضيئة التي تزخر بها صفحات هذا الكتاب؛ سير رجالٍ وسيدات جعلوا من الإرشاد السياحي رسالة، ومن خدمة الوطن مسؤولية، ومن التعريف بالمكان شغفًا يتجدد كل يوم.
ومن بين تلك الأسماء التي يشار إليها بالبنان في ميدان العمل السياحي، يبرز اسم المرشدة السياحية أشواق السروجي، وهي شخصية مميزة في قطاع السياحة وتنظيم الفعاليات، استطاعت أن تثبت حضورها بجدارة، وأن تجمع بين الخبرة العملية والقيادة والرسالة المجتمعية، لتكون نموذجًا للمرأة السعودية التي صنعت لنفسها مكانًا بارزًا في عالم السياحة والإرشاد والعمل غير الربحي.
وُلِدَت المرشدة السياحية أشواق السروجي ونشأت في مكة المكرمة، المدينة التي ستشكّل لاحقًا فضاءها المهني وموطن شغفها الأول. تربّت في أحياء مكة القديمة المتاخمة للمسجد الحرام، وتشرّبت منذ طفولتها تفاصيل المكان وروح الزمان، حتى باتت علاقة الانتماء بالحرم ومواسمه جزءًا أصيلًا من شخصيتها ومن مسارها في الإرشاد السياحي.
ومنذ بداياتها اختارت (السروجي) طريق التعلّم والتطوير، فحصلت على شهادات تدريبية متعددة من جهات معتمدة، وبدأت تبني قاعدة معرفية تمكّنها من تقديم تجربة سياحية مختلفة ، ومع مرور السنوات تألقت في ميادين الخدمة والإرشاد، وحصدت جائزة “مبدعون” من وزارة الحج، وجائزة «حكايا ون» لسنة المشاعر المقدسة تقديرًا لجهودها في التعريف بتراث مكة المكرمة ورحابة ضيافتها.
وحرصًا منها على تطوير قدراتها المهنية وتعزيز خبراتها العلمية واصلت (السروجي) مسيرتها في التأهيل والتدريب، فنالت عددًا من الشهادات المهنية المتخصصة، من أبرزها شهادة احترافية في إدارة الفعاليات وسلامة الحشود من جهة بريطانية متخصصة، إضافة إلى عدد من الشهادات في مجال إدارة وتنظيم الفعاليات. كما حصلت على دبلوم في السياحة باللغة الإنجليزية من شركة البحر الأحمر، إلى جانب شهادتين احترافيتين في الضيافة والسفر من بيت الضيافة الأمريكي، سعيًا منها لتوظيف هذه الخبرات في خدمة قطاع الحج والعمرة والارتقاء بجودة الخدمات المقدمة لضيوف الرحمن.
وفي إطار نشاطها المهني، التحقت (السروجي) بفريق السعادة عن بُعد، وقدّمت برامج تدريبية بالتعاون مع شركة أركان الضيافة، وأسهمت في تطوير نخبة من العاملين في المجالات المرتبطة بخدمة الزوار. كما تولّت الإشراف في إدارة الآثار والحرفية والمسؤولية المجتمعية بمشروع روافد لخدمة الحجاج، لتكون حاضرة في أكثر من ميدان يخدم مكة وضيوفها.
ولم تكن مهنة الإرشاد بالنسبة لها مجرد عمل روتيني عابر، بل رسالة تحملها بقلبها ولسانها؛ فهي تؤمن أن نقل جمال مكة المكرمة لا يقتصر على سرد القصص، بل يتجلى في بثّ روح المكان وإيصال قدسيته وعمقه الإنساني بصدق وأمانة. وكانت دائمًا تفتخر بكونها ابنة مكة المكرمة، وتستمد قوتها من كل موسم، ومن كل لحظة يتجدد فيها حضور زمزم، ومن كل دعاء يخرج من قلب زائر.
ومن المواقف التي تركت أثرًا عميقًا في نفسها، لقاء جمعها بعائلة أمريكية جاءت في حرّ الصيف، تضم أمًا وسبع بنات ووالدًا واحدًا. ظهرت مشقة السفر على إحدى الفتيات، لكن الأم قالت بابتسامة صادقة: “جئنا لنجمع أرواحنا… والله معنا”
جلست (السروجي) معهم تسرد تاريخ مكة وشعائرها، وتروي لهم أحداثًا صنعت قدسية المكان، فخرجوا من الجولة بصورة أعمق عن الإسلام، وبقلوب مفعمة بالسكينة.
وتؤمن (السروجي) أن الإرشاد السياحي ليس انتقالًا من نقطة إلى أخرى، بل هو حفظٌ لقصص البشر، ونقلٌ لأمانات تاريخية، وصناعة لتجارب تبقى في ذاكرة الزائر ما بقي العمر. ترى في عملها مسؤولية، وفي كل جولة فرصة لتعكس أجمل ما في وطنها من قيم الكرم والإنسانية.
واليوم تقف (السروجي) كإحدى الأصوات البارزة في الإرشاد السياحي في مكة المكرمة، نموذجًا للمرشدة التي جمعت بين المعرفة والروح، وبين الاحتراف وحب المكان. تعمل كل يوم لتُظهر للعالم جمال مكة المكرمة، وتترك في نفوس الزائرين أثرًا لا يُنسى وذكرى تحمل دفء الحرم وصدق أبنائه.
وأرى فيها صدى أشواقي الأولى حين بدأت رحلتي في مهنة الإرشاد السياحي؛ حماسًا صادقًا واندفاعًا متزنًا يتجه دائمًا نحو المفيد والأفضل ، تتسم بأدبٍ رفيع في القول، واحترامٍ عميق للآخرين، وتوقيرٍ يليق بالكبار ، وفي حديثها تمنح من يحاورها شعورًا بقيمته ومكانته، فتدخل القلوب بسلوكها قبل كلماتها، وبحسن تعاملها قبل أي شيء آخر.
وفي علاقتها بزملاء المهنة، عُرفت (السروجي) بقدرتها على الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، تتعامل بعدلٍ واحترام وروح زمالة صادقة، الأمر الذي جعلها محل تقدير وقبول لدى كافة من يعملون معها في ميدان الإرشاد السياحي.
وتمتلك (السروجي) كاريزما خاصة عزّزتها خبرتها السابقة في مهنة التعليم، حيث اكتسبت مهارة إيصال المعلومة بوضوح وإتقان، وهو ما انعكس على أدائها في مجال الإرشاد السياحي.
وقد شقّت طريقها بثبات وثقة، حتى باتت خطواتها في هذا المجال تمضي نحو القمة، حاملة رسالة المرشد السياحي الذي يجمع بين المعرفة والأخلاق وحسن الحضور ، إنها حقًا مثالٌ للمرأة العربية السعودية المكية بامتياز.




