نواصل معكم تصفّح مسودة كتاب “سفراء الوطن… نماء وعطاء” قبيل اعتماده للطباعة، وفي ليالي وأيام شهر رمضان المبارك، حيث تسمو القيم وتصفو النوايا، نقف عند عددٍ من السير المضيئة التي تزخر بها صفحات هذا الكتاب؛ سير رجالٍ وسيدات جعلوا من الإرشاد السياحي رسالة، ومن خدمة الوطن مسؤولية، ومن التعريف بالمكان شغفًا يتجدد كل يوم.
ومن بين تلك الأسماء التي يُشار إليها بالبنان في ميدان العمل السياحي، يبرز اسم المرشد السياحي بكر محمد أمين فلاته ؛ شخصية متميزة في قطاع السياحة، جمعت بين المعرفة بالمكان والشغف باكتشافه.
فهو ابن مكة المكرمة، العارف بأزقتها وحاراتها وتاريخها الضارب في أعماق الزمن، غير أن شغفه بالمكان لم يقف عند حدود المدينة المقدسة، بل إلى البرية باحثا عن الكهوف ليتخصص فيها ، يجعل من رحاب الصحراء ومساراتها امتدادًا لرسالته الإرشادية.
وفي مكة المكرمة، حيث يلتقي التاريخ بالرحلة، وتتقاطع شعائر الروح مع حركة الحياة، نشأ (فلاته) ليكون واحداً من الأصوات التي تختار الإرشاد ليس كحرفة فقط، بل كهوية ومسار حياة.
سخر خبرته العلمية والعملية لرفع كفاءة منظومة العمل السياحي في مجاله، مؤمناً بأن الإرشاد ليس وصفاً للمكان، بل صناعة للمعرفة وتجربة للزائر ورسالة تمتد أثرها في النفوس ، من هذا الإيمان انطلقت مسيرته المهنية، فشغل منذ عام 2015م منصب المدير التنفيذي لمؤسسة محمد أمين فلاته لخدمات المعتمرين والزائرين، قبل أن يدير مشاريع الإدارة والتشغيل وتفويض ممثلي الزيارة بين عامي 2017م و2020م، ثم واصل عمله كمرشد سياحي منذ 2016م حتى اليوم، متنقلاً بين المواقع، ومرافقاً ضيوف المكان في رحلاتهم نحو المعرفة والاكتشاف.
امتلك (فلاته) مجموعة من المهارات المتخصصة التي تركته قريباً من تفاصيل الطبيعة والإنسان؛ فهو مدرب معتمد في الإرشاد السياحي لدى المركز العالمي INT، و قائد مسارات جبلية معتمد لدى الجهة نفسها، إلى جانب اهتمامه بتطوير المعايير المهنية للمرشدين، وكونه عضواً وميسراً مجتمعياً مع منتدى الثلاثاء الثقافي منذ عام 2019م.
لم تكن هذه الخبرة وليدة الميدان فقط، بل نتيجة مسار أكاديمي واختيار واعٍ؛ حصل (فلاته ) على بكالوريوس إعلام وعلوم إنسانية في تخصص الاتصال الجماهيري (الإعلام الاجتماعي) من جامعة الملك عبد العزيز بين 1433هـ – 1437هـ، ثم أتبعها بدبلوم الإرشاد السياحي وخدمة الحجاج والمعتمرين (ضيافة) من جامعة أم القرى بين 1439هـ – 1442هـ، ليجمع علم الاتصال مع علم المكان، ويشكل أرضية فريدة للمرشد الذي يحسن قراءة الإنسان وقراءة الجغرافيا معاً.
تنوعت مشاركاته التدريبية، فحضر برامج في تطوير الإدارة السياحية، الوصول إلى الساحات الدولية، قيادة فرق العمل، التفكير الإداري، السياحة والضيافة المستدامة، التسويق السياحي، وصناعة المبادرات المجتمعية، مما مكّنه من صياغة أدوات قيادية وتقنية مستخدمة اليوم في مساراته الميدانية.
وطوال مشواره في مجال الارشاد السياحي ، عبر (فلاته ) العديد من المسارات السياحية الميدانية التي تراوحت بين المواقع التاريخية والمعمارية، ومسارات مكة الموسومة بتراث اليونسكو، ومسارات الطائف والدرعية وجدة التاريخية وسِربة العسف، وغيرها من الجولات التي خاضها بين الجهات والأودية والجبال.
ومثل كل مرشد ميداني، لم يتوقف عند حدود الخبرة، بل شارك في ورش متخصصة لتطوير مسارات التراث الإسلامي وتصميم مسارات “السعودية وجهة المسلمين” ، والعمل مع قادة الرؤى، والتخطيط الاستراتيجي لمنصات المسارات عام 2023م.
ولأنه يؤمن بأن المرشد سفير للمكان في عيون الناس، فقد شارك (فلاته ) في اليوم العالمي للإرشاد السياحي لعدة سنوات، وحضر فعاليات “نسيم مكة”، وقاد جولات الودق في منطقة مكة من عام 2020م حتى 2023م، مما عمّق حضوره في المجتمع وخدمة الجغرافيا الإنسانية.
أما لغاته، فكانت امتداداً لأفقه؛ العربية بطلاقتها، الإنجليزية بحضورها، والصينية بدرجة متقدمة تمنحه القدرة على عبور الثقافات.
بهذه الخطوات، يقدم (فلاته) نموذجاً لمرشد يجمع روح المدينة وطبائع الجبل، يربط بين الحكاية والهوية، ويُبقي على مسارات تشبهه في الانطلاق والثبات؛ مسارات تُروى وتُسجّل، كما تُروى سير الرواد الذين حملوا المكان في صوتهم والناس في رؤيتهم.
التقيته مرات عديدة والتقيه دائما كوننا أبناء مدينة واحد ونتشارك في المهنة ، وفي كل لقاء يزداد انطباعي عنه رسوخًا؛ هادئ الطبع، مؤدب السلوك، محترم الحضور. حديثه مرتب، وطرحه متزن، وتحيط بشخصيته كاريزما خاصة يغلفها هدوء لافت، يترك أثرًا طيبًا في نفوس كل من يلتقيه.




