نواصل معكم تصفّح صفحات كتاب “سفراء الوطن… نماء وعطاء” قبيل اعتماده للطباعة، حيث نتوقف في كل محطة عند سيرةٍ من سير المرشدين السياحيين الذين جعلوا من التعريف بالوطن رسالة، ومن خدمة الزائر مسؤولية، ومن نقل المعرفة جسراً يربط الإنسان بتاريخ المكان وروحه.
وفي هذه القراءة نقف عند تجربة أحد أبناء مكة المكرمة الذين جمعوا بين الثقافة الهادئة والعمل الميداني، وبين حب المعرفة وروح الخدمة، ليصنع حضورًا مميزًا في محيطه الاجتماعي والمهني.
إنه المرشد السياحي عادل بن عبد الله بن أحمد بن بكر القاضي ؛ زميل ورفيق درب قديم، جمعتنا مقاعد الدراسة، وأزقة الحي، وأنشطة الكشافة، وميادين الإعلام والصحافة، فكان عبر تلك المحطات مثالًا للشخصية المتزنة الهادئة، التي تمضي بثباتٍ بعيدًا عن الضجيج، وتترك أثرها بأدبها وحسن تعاملها.
ويُعرف عن (القاضي) أنه أديبٌ متذوق، وقارئ نهم للكتب بمختلف مجالاتها، يمتاز بصفاء الطبع واتزان الشخصية، كما يحرص على العناية بمظهره وأناقة هندامه، في صورةٍ تعكس احترامه لذاته ولمن يلتقيهم، وهي صفات تكتمل بها شخصية المرشد السياحي الذي يمثل واجهةً حضارية لوطنه وثقافته.
ارتبطت مسيرة ( القاضي) .. بالإرشاد السياحي منذ وقت مبكر، حين بدأ عمله في مطلع عام 1410–1411هـ في المتحف الوطني بالرياض، وتحديدًا في متحف الآثار والتراث الشعبي، حيث عُيّن أمينًا للمتحف. ومنذ تلك اللحظة، تشكّل وعيه المهني بالمكان والتاريخ، وبدأت رحلة طويلة مع الآثار والمتاحف.
تدرّج (القاضي) .. في مسيرته الوظيفية من أمين متحف إلى باحث آثار ، ثم انتقل إلى الهيئة العامة للسياحة والآثار (وزارة السياحة حاليًا)، حيث أمضى ثلاثة عشر عامًا عمل خلالها أخصائي آثار ومتاحف ثم أخصائيًا أول، مسهمًا في تطوير العمل المتحفي والإرشادي.
وفي عام 2021–2022م، انتقل إلى وزارة الثقافة ضمن هيئة المتاحف، ليعمل مستشارًا في المتحف الوطني، ومرافقًا لزيارات كبار الشخصيات، مستثمرًا خبرته المتراكمة في تقديم الرواية التاريخية للمكان باحترافية عالية.
امتدت خدمة (القاضي) .. في قطاع الآثار والمتاحف لأكثر من 36 عامًا، رافق خلالها زيارات رسمية وطلابية عديدة، كما كان ضمن فرق استقبال ومرافقة أصحاب السمو والمعالي وكبار المسؤولين، في مواقع بارزة شملت المتحف الوطني بالرياض، وقصر المصمك، وآثار الدرعية، وعددًا من المواقع التاريخية والأثرية في مختلف مناطق المملكة.
وشارك (القاضي) .. ضمن الفريق المشكّل لاستقبال زيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك للمتحف الوطني برفقة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز – رحمه الله – عند افتتاح معرض الفن الإسلامي بالتعاون مع متحف اللوفر. كما شارك في استقبال زيارة إمبراطور اليابان وزوجته عام 1994م لآثار الدرعية، إضافة إلى زيارات رؤساء دول بارزين، من بينهم جورج بوش الابن ودونالد ترامب في عام 2017م، وشي جين بينغ، إلى جانب عدد من رؤساء الدول العربية.
والأستاذ عادل القاضي حاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال، وعلى العديد من الدورات التخصصية في مجالات الآثار والمتاحف، والعلاقات العامة، والإرشاد السياحي. كما شارك في أعمال المسح والتنقيب الأثري في مناطق متعددة من المملكة، وأسهم في بناء القدرات البشرية من خلال تدريب طلاب كلية السياحة والآثار بجامعة الملك سعود، وطلاب قسم الآثار والمتاحف بجامعة الأميرة نورة، ومتدربي المعهد الملكي للفنون التقليدية، إضافة إلى عدد من المتطوعين في مجال الإرشاد المتحفي.
وعلى الصعيد المهني والمؤسسي، هو عضوًا في جمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون الخليجي، وعضوًا في الجمعية السعودية للآثار، وعضو اللجنة العلمية لتسجيل القطع الأثرية بالمتحف الوطني، فضلًا عن مشاركته في عضوية عدد من اللجان العلمية والفنية والإعلامية.
كما تولّى خلال مسيرته مناصب متعددة، من بينها العمل في مركز الأبحاث والدراسات الأثرية، والإشراف على مكتبة قطاع الآثار والمتاحف، ثم سكرتيرًا بمكتب وكيل الوزارة للآثار والمتاحف، ومديرًا لإدارة العلاقات العامة والإعلام بقطاع الآثار والمتاحف لأكثر من عشرين عامًا، إلى جانب تكليفه بسكرتارية المجلس الأعلى للآثار والمتاحف برئاسة معالي الوزير، ثم مرشدًا مرافقًا لكبار الشخصيات والزوار في المتحف الوطني.
إنها مسيرة مهنية ثرية، تشكّلت بين المتحف والموقع الأثري، وبين المعرفة والميدان، ليبقى الأستاذ عادل القاضي نموذجًا للمرشد السياحي الذي حمل التاريخ أمانة، وقدّمه للزائر بوعي ومسؤولية واقتدار.




