نواصل معكم قراءة صفحاتٍ من مسودة كتاب “سفراء الوطن… نماء وعطاء ” قبيل اعتماده للطباعة، حيث تتزاحم في هذه الصفحات سيرٌ إنسانية تركت أثرها في ميدان الإرشاد السياحي، وأسهم أصحابها بجهودهم وتجاربهم في خدمة الزائر والتعريف بجمال المكان وعمق تاريخه.
وفي هذه القراءة نتوقف عند سيرة أحد الوجوه التي عُرفت بين زملائها بروحها الطيبة وحضورها الإنساني الجميل، وهو المرشد السياحي الراحل طارق بن سليمان الخليفة – رحمه الله – الذي جمع بين حب المهنة وصفاء النفس، وترك في ذاكرة من عرفه مواقف لا تُنسى، ظلّت شاهدة على أخلاقه ووفائه لزملائه وشغفه بخدمة ضيوف الوطن.
ولد المهندس طارق خليفة في التاسع والعشرين من ديسمبر عام 1960، يحمل قلبًا تعلّق بخدمة الناس، وعقلاً عشق المعرفة، وروحًا آمنت بأن العمل رسالة لا مجرد مهنة. نشأ في مكة المكرمة، فكان لقربه من أرضها الطاهرة أثرٌ ظاهر في شخصيته؛ سمتٌ هادئ، وخلقٌ رفيع، وحرصٌ دائم على أن يكون نافعًا حيثما حلّ.
بدأ رحلته العلمية بثقة الشغوفين، فغادر المملكة شابًا ليطرق أبواب المعرفة في الولايات المتحدة الأمريكية، فحصل عام 1976 على دبلوم في علوم الطيران من ولاية تكساس، ثم واصل طريقه حتى نال عام 1980 درجة البكالوريوس في العلوم من جامعة دي بول، ليعود إلى وطنه محمّلاً بالطموح، مستعدًا ليضع بصمته في ساحات العمل الهندسي والسياحي.
وفي ميادين العمارة والمشاريع، ظهر نبوغه واضحًا؛ فتولى إدارة شركة الطائف للهندسة، يقود الفرق، ويضع الخطط، ويراقب تفاصيل التنفيذ بدقة العارف وخبرة المتمرس. اشتهر بقدرته على التنسيق بين الإدارات المختلفة، وبتقاريره الفنية المحكمة، وبحرصه الشديد على جودة العمل وسلامة الأداء.
تنقل – رحمه الله – بين مواقع المسؤولية؛ فكان مشرف مشاريع في مجموعة عامر، يتابع الجداول الزمنية، ويضبط إيقاع العمل بين المالك والمقاول. ثم عمل مديرًا للمشاريع في مجموعة الفنار، حيث أدار فرقًا هندسية متعددة، ووضع دراسات فنية أسهمت في نجاح مشاريع ضخمة. ولمّا اتسعت خبراته، تولى إدارة التشغيل والصيانة في إحدى الشركات، واضعًا خطط التطوير ومتابعًا أداءها أولًا بأول. ثم اختتم مسيرته الإدارية مديرًا للشؤون الإدارية في شركة كبرى، يشرف على الموارد البشرية، ويرتب العقود، ويسهم في تحسين بيئة العمل.
ولأن المعرفة لا تكتمل إلا بالاستمرار، التحق بعدد من الدورات النوعية مثل: النجاح الإداري، تطوير مهارات القادة، إعداد الخطط التشغيلية، جودة العمل المؤسسي، الأمن والسلامة، وإدارة المشاريع، مما جعله نموذجًا للقيادي المتجدّد.
لكن الفصل الأجمل في حياته كان ارتباطه العميق بمجال الإرشاد السياحي، حيث جمع بين العلم الهندسي والخبرة الميدانية وحب المعرفة، ليصبح — وبشهادة هيئة السياحة — أول مرشد سياحي معتمد في المملكة. كان صاحب رؤية، وآمن بأن السياحة نافذة للتعريف بالوطن وتاريخه، فكان أول من أدخل الجولات السياحية عبر بيت الطائف، وأول من قدم جولات سياحية احترافية من مكة المكرمة إلى العالم، بأسلوب يمزج بين المعرفة، والذوق، والروح المكية الأصيلة.
عمل خمس سنوات في مراكز مكة، يخدم الضيوف ويعرّفهم بمعالمها بروح المحب لأرضه، وأعدّ نماذج برامج سياحية متطورة تُسهم في دعم المرشدات والمرشدين، وحرص على نشر الصور والتقارير؛ ليبرز جمال المكان وقيمة الإنسان.
كان آخر ما خطه قلمه خطابًا مشتركًا مع رفيق دربه المرشد السياحي الشاعر عياضة بن محمد اللبيدي، يرفعان فيه خلاصة جهود السياحة في مكة إلى مسؤولي هيئة السياحة، ويبيّنان أثر المرشدين في المشهد الوطني، في موقف يعكس إخلاصه ووفاءه للعمل حتى آخر يوم من حياته.
أتذكر موقفاً جميلاً جمعني بالزميل طارق الخليفة – رحمه الله – خلال مشاركتنا في ملتقى المرشدين السنوي بجازان. كنا قد وصلنا متأخرين في الليلة السابقة، وكان موعد التحرك إلى جزيرة فرسان في الصباح الباكر جداً. لكن النوم غلبنا نحن الاثنين، وحين استيقظنا كانت السفينة الرسمية قد غادرت في موعدها المحدد. التقينا في بهو الفندق، وتبادلنا نظرات الدهشة، ثم اتفقنا سريعاً على محاولة اللحاق بالرحلة. توجهنا مباشرة إلى الميناء، وهناك استأجرنا قارباً صغيراً يُعرف في المنطقة باسم “فلوقة”، وانطلقنا به عبر البحر نحو فرسان. كانت رحلة مختلفة وممتعة، امتزج فيها صوت الموج بنسمات البحر وروح المغامرة. وما زلت أذكر كيف كان طارق – رحمه الله – طوال الرحلة مرحاً مبتسماً، يحاول التخفيف عليّ ويحوّل الموقف من حزن على فوات الرحلة الرسمية إلى رحلة ممتعة لا تُنسى. وهكذا وصلنا إلى الجزيرة والتحقنا بالزملاء، وبقي ذلك الموقف عالقاً في الذاكرة، شاهداً على روح طارق المرحة وطيب قلبه. رحم الله طارق الخليفة رحمة واسعة.رحل المهندس طارق بن سليمان خليفة عن الدنيا، لكن أثره باقٍ في كل مشروع شارك فيه، وفي كل ضيف اصطحبه بين معالم مكة، وفي كل من تعلم منه معنى الإتقان، وصدق العطاء.
رحمه الله رحمة واسعة، وجعل ما قدمه في موازين حسناته.



