استعادت أروقة سوق البلد في قلب الطائف العتيق، أحد أقدم تقاليد شهر رمضان المبارك. فبعد زمن من الصمت، عادت طبول السحور تدق من جديد، حاملة معها صوتاً اعتادت الحواري والأزقة أن تصغي إليه بخشوع في تسعينيات القرن الماضي. وفي مشهد يحمل نكهة الماضي الأصيل، ودويّ يوقظ في النفوس حنيناً لا يزول،
إنه المسحراتي خالد بن عبدالله القرشي، أو كما يحلو لأبناء الطائف من جيل التسعينات مناداته “أبو فراس”، الذي قرر هذا العام أن يعيد عقارب الساعة إلى الوراء، محدِّداً موعداً مع الذاكرة الشعبية من أمام الموقع التاريخي ذاته الذي انطلق منه أول مرة عام 1420 هجري: “مركاز العمدة” بوسط السوق.
من “مركاز العمدة”.. حيث بدأت الحكاية
لم يكن اختيار نقطة الانطلاق عشوائياً. فـ”مركاز العمدة” كان ولا يزال يمثل القلب النابض لسوق البلد، التي شهدت صفقات التجارة ويجتمع فيها الأهالي. يقول القرشي في حديث خاص لـ” صحيفة شاهد الآن ” وهو يمسك بعصاه التي رافقته لعقود: “عام 1420 كان نقطة التحول في حياتي. وقفت هنا للمرة الأولى، وقلبي يخفق من الرهبة، أنادي على أهل الطائف الأوفياء: (يا نايمين.. وحدوا الدائم ). لم أكن أتخيل أن الصدى سيبقى في وجداني كل هذه السنين .
لم يكن الأهالي مجرد متفرجين على عودة “أبو فراس”. كانوا شركاء في صنع هذا المشهد التراثي. في الليلة الأولى من رمضان، احتشد العشرات من رواد السوق وأهالي المنطقة المحيطة بسوق البلد. تجمع الكبار والصغار حول “مركاز العمدة” ليستمعوا إلى أول قصيدة شعبية يطلقها القرشي، مصحوبة بقرع قوي ومتزن على الطبلة.
أحد الحضور، ويدعى أبو عمر محمد العدواني يقول: “هذا الصوت كان يوقظنا للسحور ونحن أطفال. كنا نركض خلفه من سوق البلد حتى نصل إلى شارع شبرا. اليوم أسمعه ، كأنني عدت طفلاً بين أحضان الماضي. وجوده هنا ليس مجرد تنبيه للسحور، إنه إعلان بأن سوق البلد لا يزال يحتفظ بروحه رغم حداثة ما حوله”.
سوق البلد: لوحة تراثية تحتضن أيقونة رمضانية
لا يمكن فصل عودة المسحراتي عن السياق المكاني الذي يحتضنه. فسوق البلد بالطائف، كما يحلو لأهل الطائف تسميته ، شهد في السنوات الأخيرة حركة تطوير وترميم لافتة من قبل أمانة محافظة الطائف وهيئة التراث، بهدف إعادة الحياة إلى مبانيها الطينية القديمة ودرابزينها الحجرية.
وجود المسحراتي الليلة يعطي السوق بعداً حيوياً جديداً. فبينما تتحول المحلات نهاراً لوجهة للتسوق، يتحول السوق ليلاً إلى مسرح مفتوح للتراث. الأطفال يمسكون بالفوانيس الملونة ويقلدون حركات “العم خالد”، بينما تفتح بعض العائلات نوافذها القديمة المطلة على السوق لتلقي التمر والقطائف على المسحراتي، في تقليد عفوي يعيد إنتاج العلاقة الإنسانية بين ساكن المكان وذاكرته.
تحديات المهنة بين الأمس واليوم
رغم الحفاوة الكبيرة، لا يخفي خالد القرشي قلقه من استمرارية هذه المهنة. يقول: “المهنة توقفت لسبب. البيوت تغيرت، ، وآخرون يسكنون في أدوار عليا لا تصلها الأصوات بسهولة ، عسى أن تبقى السنة موجودة لجيل الغد”.
ويختم القرشي جولته الليلية وهو يمسح على رؤوس الأطفال الذين يلتفون حوله: “لا أريد المال. أريد فقط أن أسمع طفلاً يسأل والده: من هذا؟ فيقول الأب: هذا مسحراتي زمان، وهكذا تنتقل الحكاية للأجيال”.
بهذه العودة، لا يحيي خالد بن عبدالله القرشي سنة نبوية مهجورة فحسب، بل يعيد ترميم جزء من ذاكرة مدينة الطائف، مؤكداً أن التراث حين ينبض بالحياة، يصبح أقوى من أي حداثة، وأعذب من أي نغمة إلكترونية.




