يواصل المدرب الوطني يوسف الشايب في يومياته الرمضانية تسليط الضوء على أسرار صناعة الأبطال في رياضة ألعاب القوى، مؤكداً أن إعداد بطل أولمبي لا يعتمد على الموهبة وحدها، بل يقوم على منظومة متكاملة من التخطيط والعمل العلمي طويل المدى.
ويقول الشايب إن صناعة بطل أولمبي تبدأ من اكتشاف الموهبة في سن مبكرة، ثم رعايتها عبر برامج علمية في التدريب والتغذية والإعداد النفسي والبدني، وهي رحلة تحتاج إلى الصبر والعمل المتواصل لسنوات طويلة. ويضيف أن هذا المشروع ليس مشروع فرد، بل مشروع دولة تؤمن بالرياضة وتستثمر في أبنائها.
ويشير الشايب إلى أن العديد من الدول نجحت في صناعة أبطال عالميين عبر برامج طويلة المدى، مستشهداً بعدة نماذج عالمية؛ من بينها العداء الجامايكي Usain Bolt في سباقات السرعة، والفرنسي Renaud Lavillenie بطل القفز بالزانة، والأمريكي Ryan Crouser بطل العالم والأولمبي في دفع الجلة.
اكتشاف الموهبة… البداية الحقيقية
يرى الشايب أن المرحلة الأولى في صناعة الأبطال هي اكتشاف الموهبة مبكراً، غالباً بين عمر 8 إلى 12 سنة، من خلال برامج منظمة تشمل مسابقات المدارس ومهرجانات ألعاب القوى للأطفال، إلى جانب اختبارات اللياقة البدنية الأساسية مثل السرعة لمسافات قصيرة، والقفز، وقوة الرمي، واختبارات التحمل.
ويضرب مثالاً بالأسطورة الجامايكية Usain Bolt الذي تم اكتشافه في بطولات المدارس في جامايكا وهو دون الخامسة عشرة، قبل أن يدخل في برنامج تدريبي منظم قاده ليصبح أسرع رجل في التاريخ.
التخصص التدريجي في المسابقة
بعد اكتشاف الموهبة تبدأ مرحلة توجيه اللاعب للمسابقة المناسبة لقدراته البدنية. فاللاعب السريع يتجه غالباً إلى سباقات السرعة مثل 100 و200 متر، بينما يتجه اللاعب القوي البنية إلى مسابقات الرمي مثل الجلة والقرص والمطرقة، في حين يناسب اللاعب المرن والخفيف مسابقات الوثب.
ويذكر الشايب مثال البطل الفرنسي Renaud Lavillenie الذي مارس عدة مسابقات في بداياته قبل أن يتخصص في القفز بالزانة، ليصل لاحقاً إلى منصة الذهب الأولمبية.
البرنامج التدريبي طويل المدى
ويؤكد الشايب أن الوصول إلى القمة في ألعاب القوى يحتاج إلى برنامج تدريبي يمتد من 8 إلى 12 سنة، يمر بعدة مراحل رئيسية:
- مرحلة التأسيس (10 – 14 سنة): تطوير المهارات الحركية وتعلم أساسيات الجري والقفز والرمي مع تنوع الأنشطة الرياضية.
- مرحلة التطوير (15 – 18 سنة): التركيز على تطوير القوة والسرعة، وتعلم التقنية الصحيحة للمسابقة، والمشاركة في البطولات المحلية.
- مرحلة الإنجاز (19 – 24 سنة): برامج تدريب عالية الشدة مع المشاركة في البطولات الدولية والسعي لتحسين الأرقام القياسية.
التدريب العلمي الحديث
ويشير الشايب إلى أن الرياضة الحديثة أصبحت تعتمد بشكل كبير على العلوم الرياضية والتكنولوجيا، مثل تحليل الأداء عبر الفيديو، واستخدام القياسات الحيوية، وتخطيط الأحمال التدريبية، وإجراء اختبارات دقيقة للسرعة والقوة.
ويضرب مثالاً بالبطل الأمريكي Ryan Crouser الذي يعتمد على تحليل دقيق لحركة الرمي باستخدام التكنولوجيا لتحسين زاوية الدفع وسرعة الانطلاق في دفع الجلة.
الإعداد البدني المتكامل
ويؤكد الشايب أن اللاعب الأولمبي يحتاج إلى منظومة بدنية متكاملة تشمل:
- القوة العضلية
- السرعة
- التحمل
- المرونة
- التوازن
لكل مسابقة برنامجها البدني الخاص؛ فعداؤو السرعة مثل Usain Bolt يركزون على الانطلاق والقوة الانفجارية، بينما يركز رماة الجلة مثل Ryan Crouser على القوة القصوى والقدرة العضلية.
الإعداد النفسي
ويضيف الشايب أن الجانب النفسي عنصر حاسم في البطولات الكبرى، حيث يحتاج اللاعب إلى الثقة بالنفس، والقدرة على التحكم في الضغط، والتركيز أثناء المنافسة، والتعامل مع الخسارة بروح إيجابية. ولهذا يعمل كثير من الأبطال مع أخصائيين نفسيين رياضيين قبل البطولات الكبرى.
التغذية الرياضية
كما يشدد على أهمية التغذية الرياضية في صناعة البطل الأولمبي، حيث تعتمد البرامج الغذائية على توازن دقيق بين البروتين لبناء العضلات، والكربوهيدرات لتوفير الطاقة، إضافة إلى الفيتامينات والمعادن، مع المحافظة على شرب الماء بشكل منتظم.
المشاركات الدولية
ويرى الشايب أن البطل العالمي لا يصنع دون الاحتكاك بالمنافسات الدولية، حيث يمر اللاعب بمراحل تدريجية تبدأ بالبطولات المحلية، ثم الإقليمية والقارية، وصولاً إلى بطولة العالم والألعاب الأولمبية، وهو تسلسل يمنح اللاعب خبرة المنافسة على أعلى المستويات.
دور المدرب
ويؤكد الشايب أن المدرب يمثل العنصر الأهم في صناعة البطل، فهو المسؤول عن تخطيط البرنامج التدريبي، وتطوير التقنية، وإعداد اللاعب نفسياً، وتحليل أدائه باستمرار. وكثير من الأبطال العالميين ظلوا مع المدرب نفسه سنوات طويلة حتى بلوغ القمة.
خلاصة التجربة
ويختتم الشايب حديثه بالتأكيد على أن صناعة بطل أولمبي تقوم على منظومة متكاملة تبدأ باكتشاف الموهبة مبكراً، ثم التخصص الصحيح، والبرنامج التدريبي طويل المدى، واستخدام العلوم الرياضية الحديثة، والإعداد البدني والنفسي، والتغذية الصحية، والمشاركات الدولية المستمرة.
ويقول: قد يرى البعض أن هذا الطريق صعب التطبيق، لكنني أؤمن أن الإرادة تصنع الأبطال، والدليل ما حققه البطل السعودي هادي صوعان عندما أهدى المملكة أول ميدالية أولمبية في سباق 400 متر حواجز، في عهد صاحب السمو الأمير نواف بن محمد بن عبدالله آل سعود – حفظه الله – أحد أبرز مؤسسي نهضة ألعاب القوى السعودية الحديثة، وبمساندة الخبير الدولي الدكتور محجوب سعيد.
ويختم الشايب قائلاً إن الاتحاد السعودي لألعاب القوى اليوم، وبجهود الأندية والمدربين، قادر بإذن الله على مواصلة هذا الطريق وصناعة جيل جديد من الأبطال.
فالتجارب العالمية، كما يضيف، تؤكد أن نجاح الأبطال مثل Usain Bolt وRenaud Lavillenie وRyan Crouser لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة سنوات طويلة من التخطيط والعمل العلمي المنظم.




