في أيام وليالي شهر رمضان المبارك، حيث تتجدد معاني الصفاء، وتسمو قيم العطاء وخدمة المجتمع، نواصل معكم تصفّح صفحات من مسودة كتاب “سفراء الوطن… نماء وعطاء” ؛ ذلك الكتاب الذي يوثق نماذج مشرقة من المرشدين والمرشدات السياحيين الذين جعلوا من التعريف بالوطن رسالة، ومن الإرشاد السياحي جسراً ثقافياً وإنسانياً يربط الزائر بتاريخ المكان وروحه.
وفي هذه الحلقة نتوقف عند سيرة المرشد السياحي علي مديني السيد، أحد الأسماء التي اختارت أن تجعل من الإرشاد السياحي رسالة معرفة وانتماء، وأن تسهم من خلال خبرتها وثقافتها في تقديم صورة مشرقة عن المملكة وتاريخها العريق ومعالمها الحضارية.
إن تجربة علي مديني السيد تعكس شغفاً حقيقياً بالمكان، وإيماناً بأن المرشد السياحي ليس مجرد ناقلٍ للمعلومة، بل سفيرٌ للوطن، وراوٍ لحكاياته، وجسرٌ يصل الزائر بذاكرة المكان وثقافته. ومن خلال هذا الدور يصبح الإرشاد السياحي عملاً ثقافياً وإنسانياً يسهم في تعزيز الوعي بالتراث، ويجعل من الرحلة السياحية تجربة معرفية ثرية تبقى في الذاكرة.
ومن هنا نفتح صفحات هذه السيرة لنقترب من ملامح تجربة مهنية مميزة، اختار صاحبها أن يكون سفيراً للمكان، وحاملاً لرسالة التعريف بالوطن وقيمه الحضارية.
يحمل المرشد السياحي الأستاذ علي مديني السيد درجة البكالوريوس في السياحة والآثار، ويعمل مرشدًا سياحيًا مرخّصًا من وزارة السياحة، غير أن سيرته تتجاوز حدود الشهادة والمسمّى الوظيفي إلى تجربة إنسانية ومهنية نضجت في الميدان قبل المنصات. أكثر من عشر سنوات قضاها في مجال السفر والسياحة، راكم خلالها خبرة عملية واسعة، وفهمًا عميقًا للإنسان والمكان، مكّنته من التعامل مع مختلف أنماط الرحلات والزوار، وتقديم تجربة سياحية ثرية تقوم على المعرفة والدقة والصدق.
علي مديني اسم ارتبط بالفعل قبل القول، وبالعمل قبل الوصف. عاش السياحة ممارسة يومية، يقرأ الأرض، ويحكي حكايتها للزائر بشغف، ويجيد الربط بين التاريخ والواقع، وبين التراث والإنسان. في محافظة القنفذة، كان حضوره لافتًا بجهده ومبادراته، حيث أولى اهتمامًا خاصًا بإبراز المقومات السياحية والتراثية للمحافظة، مؤمنًا بأن السياحة وعي قبل أن تكون نشاطًا، ورسالة قبل أن تكون مهنة، وأداة فاعلة في تعزيز الهوية وتنمية المكان وخدمة المجتمع.
لم يكتفِ بالدور الرسمي، بل تجاوز ذلك إلى دور مجتمعي فاعل، ساعيًا إلى نشر ثقافة السياحة، وتحفيز أبناء المنطقة على الاعتزاز بتراثهم، واستثمار ما تزخر به محافظتهم من جمال وتنوّع بما يليق بها. كما ينتمي إلى عدد من الجمعيات السياحية على مستوى المملكة، لم تكن عضويته فيها مجرد أسماء تُذكر، بل منصات عمل وتواصل وخدمة، شارك من خلالها بخبرته، ومدّ جسور التعاون، وكان دائمًا صاحب مبادرة ورأي مسؤول.
يمثل علي مديني السيد نموذجًا للمرشد السياحي الذي يحمل وطنه في حديثه، ويترجمه في سلوكه، ويقدّم صورة مشرّفة للسياحة السعودية بروح صادقة وعمل ثابت، واضعًا الإنسان والمكان في قلب التجربة السياحية.
وفي ختام هذه القراءة، يحضرني موقف شخصي جمعني بالأخ المرشد السياحي علي مديني السيد عندما التقيته خلال المؤتمر الأول للإرشاد السياحي وإثراء التجربة؛ ذلك اللقاء الذي كان بحق محطة ثرية في مسيرتي المهنية، إذ أتاح لي فرصة التعرف عن قرب إلى عدد من زملاء المهنة وتبادل الخبرات معهم. وكان علي مديني السيد من بين أولئك الذين يتركون أثرًا طيبًا في النفس؛ مبتسمًا، متفائلًا، يتحدث بشغف عن السياحة ورسالة الإرشاد، ويعكس في حديثه روح المرشد الذي يؤمن بدوره في خدمة المكان والتعريف بتاريخ الوطن وثقافته. لقد كان لقاءً عابرًا في الزمن، لكنه باقٍ في الذاكرة، لأنه يجسد جمال العلاقات المهنية حين تقوم على الاحترام والمحبة والشغف بالمهنة.




