مع انبلاج الفجر فوق جبال الطائف، يبدأ مشهدٌ مختلف يشبه قصص العطر الأولى. الضباب الخفيف يلامس المدرجات الزراعية، وقطرات الندى تتلألأ فوق بتلات الورد الطائفي. في تلك اللحظة الهادئة، يقف الأكاديمي والمزارع عيضة بن عواض الطويرقي بين صفوف الورد، يراقب بداية يوم جديد في مزرعته التي تحولت إلى حكاية عبير متجددة.
لم يكن الصباح الباكر بالنسبة لـ(أبو راكان) مجرد توقيت عمل، بل سرّ المهنة. يقول وهو يتفقد الأزهار قبل قطفها: “الصباح هو الوقت المثالي لجني الورد، ففيه تبقى قطرات الندى معلّقة على البتلات، وتحافظ الزهرة على زيوتها العطرية، وهذا ما يمنح الورد جودته العالية.”
ومع بدء العمال في الانتشار بين الحقول، يتحول المكان إلى خلية نشاط هادئة. أيادٍ خبيرة تقطف الأزهار بعناية، وسلال تمتلئ تدريجياً بلون الورد الطائفي الزاهي. في هذا الموسم، تسجل مزرعة أبو شقط رقماً لافتاً؛ إذ يبلغ متوسط الجني اليومي نحو خمسين ألف وردة، وهو رقم يعكس اتساع المزرعة وخبرة صاحبها التي امتدت بين العلم والممارسة.
قصة (أبو راكان ) ليست مجرد زراعة ورد، بل تجربة تجمع بين المنهج الأكاديمي وحرفة الأجداد. فالرجل الذي قضى سنوات في التعليم والبحث العلمي، عاد إلى الأرض ليطبق ما تعلمه على تربة الطائف الخصبة. يشرح أن الإشراف العلمي على الري والتسميد ومواعيد القطف أسهم في رفع الإنتاجية، دون أن يفقد الورد هويته التراثية التي عُرفت بها الطائف منذ قرون.
وهكذا، تتحول كل صباحات المزرعة إلى لوحة نابضة بالحياة؛ آلاف الأزهار تُقطف قبل أن تشتد حرارة الشمس، لتبدأ رحلتها نحو معامل التقطير وصناعة العطور.
في تلك اللحظة، يبدو المشهد وكأن الطائف كلها تتنفس عبيرها لخاص… عبير وردٍ يبدأ قصته كل فجر، ويكتبها مزارع أكاديمي آمن أن العلم يمكن أن يزهر في الحقول كما يزهر في القاعات.





