حين يمتلك الإنسان فكراً مضيئاً نافذاً يتجاوز به ضباب السطحية وضيق المدارك، يغدو في نظر الكثيرين كائناً غريب الأطوار، فيرمى بالانزياح أو يُتهم بالجمود وربما يُنعت بالجنون، لا لشيء سوى أنه يملك جرأة الغوص في عمق القضايا حيث لا يتجاوز الآخرون عتبة السطح. فالعقل الذي يقرأ ما وراء الكلمات ويكشف المعاني المخبوءة بين السطور، ويرى الأحداث بعيون فلسفية بعيدة المدى، غالباً ما يسبق عصره بخطوات، فيتحول إلى غريب في وطنه، ووحيد في محيطه، كالنسر المحلق عالياً بين أسراب الغربان.
وهنا تلتقي الفكرة بازدواجية من يرفع راية الوعظ والتقويم بينما هو غارق في ذات السلوكيات التي ينهى الناس عنها، وهنا يكمن الرابط مع تلك الغربة الفكرية التي يعيشها صاحب البصيرة. فالعاقل الحر لا يقبل بالسذاجة ولا يخضع لسطحية الظواهر، ولا ينقاد وراء زيف الأقوال التي لا يصدقها العمل، بل يضع لنفسه ميزاناً صارماً يجعل الفعل مرآة القول. أن الغربة التي يعيشها صاحب الفكر النير ليست سوى ضريبة للانسجام مع الذات، وضريبة لرفض التناقض الذي يشيع بين الناس. فالعالم يزدحم بالذين يرفعون الشعارات ولا يعملون بها، أما القلة التي توحد بين الرؤية والممارسة فتبقى غريبة، لكنها الغربة الأسمى، غربة العزة والوعي والصفاء. إنها غربة النسر الذي يختار قمم الجبال على أن ينزل إلى أوحال السهل، وغربة الحكيم الذي يؤمن أن الصدق في الفكر والعمل أعظم شرف، ولو كلفه ذلك وحدة موحشة بين جموع المتناقضين.
وهكذا، يظل الفكر النير طريقاً صعباً، لكنه يضيء الدرب....
بقلم - رفاه زاير جونه

غربة
وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://shahdnow.sa/articles/319199/



