مثل " يعني أن الشخص الذي لا يملك شيئًا (خاصة في الجانب المعنوي مثل العلم أو الخلق أو العطف) لا يُتوقع منه أن يمنحه للآخرين، لكن هذه المقولة نسبية وتختلف، فبعضهم يرى أن من حُرم شيئًا قد يمنحه بسخاء أكثر لأنه أدرى بقيمته، والبعض الآخر يرى أن الشخص الذي لم يختبر التجربة قد لا يقدرها حق قدرها، بينما يرى آخرون أن من حُرم العطف قد يتعلم كيف يعطيه، لذا فالموضوع يعتمد على طبيعة الشخص وقدرته على التجاوز والتعلم، فكثير من فاقدي العطف يمنحونه لأبنائهم، وكثير من الفقراء يعطون ما لديهم " .
وترى الدكتورة مايا الهواري ، أول باحثة دكتوراة في الذكاء العاطفي والقيادة في الوطن العربي أن " مقولة فاقد الشّيء لا يعطيه تتراوح بين القبول والرفض، فلو كان القصد منها أنّ من لا يمتلك الشّيء من أساسه لا يمكنه أن يقدمه أو يعطيه لغيره وهذا الأمر صحيحاً، أمّا من حُرم شيئاً فإنه قادر على إعطائه لغيره، وفي هذه الحالة تصبح المقولة غير صحيحة، فلو حرم الإنسان من العطف في صغره لا يعني ذلك أنّه غير قادرٍ على منح أطفاله العطف والحنا، بل هو الأقدر على ذلك؛ لأنّ العطف صفة وضعها الله تعالى في النّفس البشريّة سواء حرم الإنسان من العطف أم مُنِحه، أمّا إن خلا قلب الإنسان من الرّأفة والشّعور بالغير فلن يستطيع في هذه الحالة منح غيره هذه الرّأفة، لأنّه أساساً لا يمتلكها " .
وما جعلني أتذكر هذه المقولة مقال كتبه الأستاذ / طيب عبدالرحيم بخاري تحت عنوان " قبل التحول للسوق المالية: اختبار الحوكمة في شركات خدمة حجاج الخارج " ، تناول فيه حال شركات ضيافة الحجاج ، وأوضح حالات الإحباط والفشل التي واجهت بعض الملاك من بعض مجالس الإدارات التي رأت أنها الأفضل والأنجح والأمثل في أعمالها وخدماتها .
واستغرب من الأستاذ طيب بخاري أن يتحدث عن هذا وهو من شغل منصب نائب رئيس مجلس إدارة مؤسسة طوافة من قبل ، ويعرف جيدا أن هناك بعض رؤساء وأعضاء مجالس إدارات غير مؤهلين لتولي المسؤولية وإن الانتخابات أتت بهم بعلاقات ومصالح مشتركة ، ويرون أن رئاسة أو عضوية مجلس الإدارة حق لهم دون سواهم وأنهم وحدهم المؤهلين والأمناء والحريصون على حماية الحقوق وإيصالها لأصحابها ، وإن تابعت مسيرة أعمالهم لوجدتهم حريصون على جمع الأموال بشتى الطرق والوسائل .
إن ما تحتاج إليه شركات ضيافة الحجاج قبل التحول ليس الالتزام بمعايير العمل المؤسساتي وحده ، بل إيجاد الكوادر المؤهلة القادرة على قيادة المنشأة ووضع استراتيجيتها ، والبحث عن الابتكار والالتزام بأخلاقيات العمل والحوكمة .
ثم كيف نطالب شركات الضيافة بتطوير خدماتها وتحسين أدائها ، وهناك مدراء تنفيذيون لا يعرفون الفرق بين :
• الكوادر البشرية كأفراد يشكلون القوى العاملة داخل المنشأة .
• التنمية البشرية كــ " عملية توسيع خيارات الناس وقدراتهم لتحقيق حياة طويلة وصحية، والحصول على المعرفة، والتمتع بمستوى معيشي لائق "
• الموارد البشرية (HR) كوظيفة إدارة الأفراد داخل المنشأة !
وحتى تظهر شركات ضيافة الحجاج بصورة مشرفة تتوافق ورؤية المملكة 2030 وبرنامج خدمة ضيوف الرحمن ، وتحقيق شعار " من الفكرة إلى الذكرى " بصورة جيدة فهي بحاجة إلى كوادر مؤهلة تدير منظومتها ، لا أن توكل الأمور لأشخاص ليسوا مؤهلين علميا وعمليا ، وأن يكون هدفهم تقديم عمل جيد ومشرف ، وليس منحصرا في الحصول على مكافآت مالية شهرية تفوق الخيال لهم ولأبنائهم وأصدقائهم ، وأن تكون هناك شروط ومعايير خاصة لاختيار المدراء التنفيذيين والعاملين داخل الشركات .
وقبل هذا وذاك أن يكون رئيس وأعضاء مجلس الإدارة صادقون في أقوالهم أقويا في شخصياتهم ، لا جامعون للأموال من مكافآت شهرية وأخرى سنوية ، وانتدابات ، ورحلات خارجية ، ويتحدثون عن الأمانة وهم بعيدون عنها .
وفي الختام أقول : إن " من يدعي الصدق بشكل مبالغ فيه أو متكرر فهو في الحقيقة يفتقر إليه ، والصدق الحقيقي لا يحتاج إلى ادعاء ، بل يتجلى في الأفعال والمواقف، وهي مقولة تبرز التناقض بين الظاهر والباطن "
ومن يكثر من ادعائه للأمانة فهو أكبر خائن لها ، فالأمين تظهر أمانته في أفعاله ، أما " الشخص الذي يُكثر الكلام عن فضيلة معينة، خاصة إذا كان الكلام مبالغًا فيه أو ادعاءً ظاهرًا، قد يكون فاقدًا لها بالفعل، ويستخدم هذا الكلام للتغطية على نقصه أو إخفاء عيوب، مثلما قال شيشرون ( قيل للربيع بن خثيم: ما نراك تغتاب أحداً؟ فقال: لست عن حالي راضياً حتى أتفرغ لذم الناس ) ، وصدق من قال " فاقد الشيء لا يعطيه "
ـــــــــ
للتواصل
ashalabi1380@
ahmad.s.a@hotmail.com




