الإِخْلَاصُ بِمَنْزِلَةِ الرُّوحِ مِنَ الْجَسَدِ، وَهُوَ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ قَبُولِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ.
فَالشَّرْطُ الْأَوَّلُ : أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ خَالِصًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ،
وَالشَّرْطُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ مُتَابِعًا لِمَا جَاءَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ، وَلَا يُسَمَّى الْعَمَلُ صَالِحًا، وَلَا يَكُونُ مُتَقَبَّلًا، إِلَّا بِهَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ: الإِخْلَاصِ وَالْمُتَابَعَةِ.
❉ قَالَ تَعَالَى : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾.
فَأَعْمَالُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، مِنَ الْحُضُورِ، وَالتَّبْكِيرِ لِلصَّلَاةِ، وَالْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ، وَأَدَاءِ السُّنَنِ؛ مِثْلَ : الِاغْتِسَالِ، وَلُبْسِ الثِّيَابِ النَّظِيفَةِ، وَالتَّطَيُّبِ، وَالْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ؛ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ نِيَّةٍ صَالِحَةٍ لِلَّهِ، وَتَذَكُّرِ أَجْرِهَا.
❉ قَالَ تَعَالَى : ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [سُورَةُ هُودٍ: ٧].
❃ قَالَ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، تَعْلِيقًا عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ فِي بَيَانِ مَعْنَى ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ : «أَخْلَصُهُ وَأَصْوَبُهُ».
❍ وُجُوبُ الإِخْلَاصِ :
فَالإِخْلَاصُ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ قَبُولِ الْعَمَلِ، وَهُوَ أَنْ تَقْصِدَ بِعَمَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى.
❉ قَالَ تَعَالَى : ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.
❉ وَقَالَ تَعَالَى : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
❉ وَقَالَ تَعَالَى : ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: ١٦٢].
❉ وَقَالَ تَعَالَى : ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ۚ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سُورَةُ الزُّمَرِ: ٢–٣].
⏎ وَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَاتُ عَلَى شَرْطِيَّةِ الإِخْلَاصِ فِي الْعَمَلِ، وَأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ.
❍ الإِخْلَاصُ عِبَادَةٌ مَحَلُّهَا الْقَلْبُ :
عَنْ أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ : «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى؛ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.)
وَتَكْرَارُ الْعِبَادَةِ قَدْ يُفْضِي إِلَى اعْتِيَادِهَا، وَرُبَّمَا نُسِيَ فَضْلُهَا، فَلَا يَتَمَيَّزُ الْعَمَلُ بَيْنَ كَوْنِهِ عِبَادَةً أَوْ عَادَةً إِلَّا بِالنِّيَّةِ الصَّالِحَةِ.
تَنْبِيهٌ : لَا يَلْزَمُ الْجَهْرُ بِالنِّيَّةِ، وَلَا يُسَنُّ ذَلِكَ، بَلْ وَلَا يُسَنُّ التَّلَفُّظُ بِهَا سِرًّا؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ مَحَلُّهَا الْقَلْبُ.
❍ مَا يُضَادُّ الإِخْلَاصَ :
❶- الشِّرْكُ
وَهُوَ أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، وَهُوَ أَعْظَمُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ، وَالشِّرْكُ الْأَكْبَرُ يُحْبِطُ الْعَمَلَ، وَصَاحِبُهُ فِي النَّارِ، وَهُوَ ضِدُّ التَّوْحِيدِ.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ ؟ قَالَ : «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ». (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.)
❉ قَالَ تَعَالَى : ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ: ٤٨].
❉ وَقَالَ تَعَالَى : ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سُورَةُ الْمَائِدَةِ: ٧٢].
❷- الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ (يَسِيرُ الرِّيَاءِ)
وَهُوَ أَنْ يَعْمَلَ الْعَمَلَ لِيَرَاهُ النَّاسُ.
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٩٨٦).
قَالَ ابْنُ رَجَبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : «أَوَّلُ مَنْ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ : الْعُبَّادُ الْمُرَاؤُونَ بِأَعْمَالِهِمْ؛ أَوَّلُهُمُ الْعَالِمُ، وَالْمُجَاهِدُ، وَالْمُتَصَدِّقُ لِلرِّيَاءِ؛ لِأَنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ».
📜 مَجْمُوعُ رَسَائِلِهِ (٣/٦٦).
وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ : «وَمَا يَنْظُرُ الْمُرَائِي إِلَى الْخَلْقِ فِي عَمَلِهِ إِلَّا لِجَهْلِهِ بِعَظَمَةِ الْخَالِقِ».
❸- حُبُّ السُّمْعَةِ وَالشُّهْرَةِ
وَهُوَ عَمَلُ الْعَمَلِ لِيَسْمَعَ النَّاسُ بِهِ.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ : «مَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعِ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَاءِي يُرَاءِ اللَّهُ بِهِ». صَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَه (٤٢٨١).
❍خَاتِمَةُ التَّنْبِيهِ :
الرِّيَاءُ مُفْسِدٌ لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ،وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ : «إِذَا لَمْ تُخْلِصْ فَلَا تَعْمَلْ». 📚بَدَائِعُ الْفَوَائِدِ (٣/٢٣٥).
ثَمَرَاتُ إِخْلَاصِ الْعَمَلِ لِلَّهِ :
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ : «الإِخْلَاصُ دَوَاءٌ عَزِيزٌ، وَأَهْلُهُ أَعَزُّ مِنْهُ، وَالْمُؤْمِنُ الْمُخْلِصُ لِلَّهِ مِنْ أَطْيَبِ النَّاسِ عَيْشًا، وَأَنْعَمِهِمْ بَالًا، وَأَشْرَحِهِمْ صَدْرًا».
⏎ وَالْجَنَّةُ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُخْلِصِينَ، قَالَ تَعَالَى : ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٤٠–٤٣].
❃ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ لِمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.




