يَتجددُ الحَديث عَن أهَمية الوَقتِ واستِغلالهِ وكَيفِية الاسْتفَادة مِنه خَاصةً مَع كُل إجَازة وبِالأخصِ أوقَات فَراغ الأبنَاء فِي زَمنٍ تَتسَارعُ فِيه المُؤثرات وتَتشَابَكُ فِيه وسَائلُ الجَذبِ، وبَات وَقتُ الأبنَاء رَأس مَالٍ حَقيقيًا، إمّا أنْ يُستثمرُ فِيمَا يَعودُ عَليهم بِالنفعِ، أو يُهدر فِيمَا قَد يَضرهُم ويَضرُ سَلوكهُم وفِكرَهُم ومُستَقبلَهم لاحِقًا.
ومِن هُنا تَتجلّى أهَمية إشغَال أوقَات الأبنَاء بمَا يُنمّي عُقولِهم وتَفكِيرهم ومَهاراتِهم، ويُهذّب سُلوكهم، ويَصقلُ شَخصيَاتهم؛ لأن الفَراغ إنْ لم يُملأ بالنَّافع، امْتَلأ بِغيرهِ دُون اسْتئذَان.
وإنَّ الاهتمَام بِهذا المَوضُوع يَجب أنْ يَكون عَلى مَدار العَام وليسَ فَقط فِي الإجَازات، لأنَ تَرك الأبنَاء دُون تَوجيهٍ فِي أوقَات فَراغهِم يُفتحُ بابًا واسَعًا أمَام خَطر الانجِراف نَحو رَغباتٍ غِير مُوجهة تَوجيهًا صَحيحًا، أو عَلى أخَف الأضْرار التَّعلق المُفرِط بالأجِهزة الذَّكية والألعَاب الإلِكترُونية والَّتي لا تَسلم كَاملاً أيضًا مِن بَعضِ الشَّوائب كَتقليدِ أنمَاط لا تَتفقُ مَع القِّيم الدِينية والاجْتمَاعِية.
ثُم إن إشغَال وَقت الأبنَاء لا يَعنِي إثقَالهُم بالوَاجبِات أو حِرمَانهِم مِن التَّرفيه كَأنهم عُلماء بَاحثون، أو مُفكرُون نَاقدُون، بل المَقصود هُو تَحقيق التَّوازن بَين المُتعةِ والفَائدَة، مِن خِلال أنْشِطة هَادفة كَحفظ القُرآن، ومَمارسةِ الرِّياضة، وتَنمية الهِوايَات المُفيدة، دَاخل البَيت أو خَارجهُ والمُشاركَة فِي البَرامج والأنشِطة المَدرسِية الثَّقافية والكَشفِية، والعَمل التَّطوعِي، والأنشِطة الرِّياضِية والفَنية الَّتي تُنمّي الإبْدَاع وتُفرغُ الطَاقات بِشكلٍ إيجَابِي.
وهُنا يَكون دور الأسرةِ دورًا مِحوريًا فِي غَاية الأهَمية فِي هَذا الجَانب، ويَبدأ بالقُرب مِن الأبناء والجُلوس والحِوار مَعهُم وفَتح القُلوب والعُقول لَهم ومُشَاركتِهم يَوميَاتهِم واهْتمامَاتهِم ومَا يَجُول بِخَاطرِهم، ومُبادلتِهم الحَديث العَاطفِي والتَّشاورِ معَهم وإعطَاءهم الثِّقة وتعْوديهِم عَلى المُسؤولية، كُل ذَلكَ مِما يَفتحُ طَريق الاطْمئنَان والصَّداقة بَين الوَالدين والأبنَاء، وإن مَلك الأبَوين هَذا الطَّريق حَتمًا سَيسيرُ فِيه الجَميع تَحت الأضْواء الكَاشفة بِكل رَاحة ووضُوح واطمئنَان، فالابن الذِّي يَجد الاهْتمَام والدَّعم، يَكون أكثر التزامًا وأبعدُ عَن هَدر الوَقت وأعرفُ بمَا يُريد وإلىٰ أينَ يَسيرُ نَحو الهَدف.
وخُلاصة القُول: إنَّ إشغَال وَقت الأبنَاء بمَا يَنفعهُم هو استثمَار طَويل الأمَد فِي مُستقبلِهم، ووِقَاية لهُم مِن الانْزلاق فِي مسَارات خَاطئة، وبنَاء لِجيل واعٍ قَادر عَلى استثمَار وَقتهِ فِيمَا يُرضي اللهَ، ويَنفع نَفسهُ، ويَخدِم مُجتمَعهُ.
فَتربيَة الأبنَاء مَسؤولية تَقومُ عَلى الدَّعاء والقُدوة والرِّفق والحِكمَة والحُب، وهِي عَوامِل استثمَار حَقيقيٌ فِي بِناء الإنسَان والمُجتَمع.
قَال أحَد الحُكمَاء:
"ابنكَ لا يَحتاجُ مَالك بِقدر مَا يَحتاجُ وَقتكَ"
وللحَديثِ تَتمَة ..





التعليقات 2
2 pings
عيسى الحداد
03/01/2026 في 2:20 م[3] رابط التعليق
كالعادة مبدع يا أستاذ اسماعيل
محمد
03/01/2026 في 2:52 م[3] رابط التعليق
كل المشاريع لو فشلت يمكن تعويضها ، إلا تربية الأبناء لو فشلت ستظل تجنى ثمارها طول العمر ابنك هو أهم مشروع في حياتك
قرأت جُملة ظلت عالقة في ذاكرتي
“اجعلوا أبنائكم مشاريع للّه، وإلى الله”
فتذكرت التنشئة الصالحة كم فيها من الأجور؟
تعليمهم آداب الإسلام، وحتى سورة الفاتحة، و أصغر تفاصيل التربية الإسلامية تحمل أجور، ثم بعد الانقطاع عن الدنيا يبقى هذا الولد الصالح يدعوا لك ويرفع درجتك.