في كل مؤسسة، وفي كل عمل تطوعي أو ثقافي أو مهني، تقف الواجهة دائمًا في الضوء؛ مسؤولون يُكرَّمون، وأسماء تتكرر، ووجوه اعتادها المشهد. غير أن خلف هذه الواجهة صفوفًا ثانية وثالثة، تحمل العبء الحقيقي، وتصنع الأثر بصمت، ثم تمضي دون ضجيج… ودون تكريم.
مشكلة التكريم في كثير من مؤسساتنا ليست في غيابه، بل في حصريته، نكرّم المسؤول لأنه مسؤول، ونحتفي بالواجهة لأنها واجهة، بينما يُترك المبدعون الحقيقيون في الظل، أولئك الذين يعملون بلا القاب، ويعطون دون انتظار، ويواصلون العطاء حتى يرهقهم التجاهل، فيتلاشون بصمت.
الصف الثاني ليس هامشيًا، بل هو عمود العمل الفقري. فيه الأفكار الأولى، والجهود الميدانية، والعمل اليومي الشاق. فيه من يبتكر، وينفّذ، ويُصلح، ويتجاوز العقبات، دون أن يملك منبرًا أو صفة رسمية تضع اسمه في قوائم التكريم.
الأخطر من ذلك أن كثيرًا من المبدعين يمرّون مرور الكرام ، يعطون في مرحلة، ينجزون في صمت، ثم يتوقفون، لا لأنهم فقدوا القدرة، بل لأنهم فقدوا التقدير ، فلا أحد التفت إليهم، ولا أحد قال: شكرًا.
من خلال تجربتي في إصدار سلسلة كتاب "رواد الكشافة العرب – سيرة ومسيرة"، اكتشفت حقيقة مؤلمة ، أن من حظوا بالتكريم لا يمثلون أكثر من 2% من أصحاب العطاء الكشفي الحقيقي.
أما البقية، وهم الأغلبية، فقد عملوا، وتركوا أثرًا، ثم غابوا عن الذاكرة المؤسسية، كأنهم لم يكونوا ، التكريم ليس مجاملة، ولا منّة، ولا حدثًا بروتوكوليًا ، التكريم توثيق للعدل، وحفظ للذاكرة، ورسالة للأجيال بأن العطاء لا يضيع ، من هنا، فإن الإنصاف يقتضي أن يكون التكريم دوريًا ومتوازنًا ، تارةً للبارزين في الواجهة، وتارةً أخرى للمبدعين في الظل، محليًا وإقليميًا، دون ضجيج، ودون تمييز، ودون حصر.
فتشوا – أيها الأفاضل – في الصف الثاني ، هناك كوكبة تستحق ، وهناك أسماء صنعت الفارق ولم تُذكر ، هناك عطاءات لم تُوثّق، وجهود لم تُحتفَ بها ، أقترح تكريم أخر للصف الثاني غير التكريم الذي تعودنا عليه
وإن لم نُكرّم هؤلاء اليوم، فلن نجدهم غدًا ، وسنظل نبحث عن الإبداع، بعد أن نكون قد قتلناه بالتجاهل ، هذا علمي وسلامتكم .




