في مساء الخامس والعشرين من ديسمبر عام 1991 ، وعند الساعة السابعة والنصف وعلى سطح الكرملين تحديداً .. لم يكن إنزال العلم الأحمر ذي المطرقة والمنجل مجرد إجراء بروتوكولي بل كان إعلاناً رسمياً لنهاية حقبة كاملة استمرت سبعين عاماً من الحكم الشيوعي القمعي وانهيار الاتحاد السوفيتي الذي حكم بالحديد والنار وصادر الحريات وحارب الأديان بلا هوادة .
ذلك المشهد كان لحظة تاريخية فارقة خاصةً للمسلمين الذين عاشوا في جمهوريات الاتحاد السوفيتي .. أولئك الذين كانوا يخفون المصاحف في البيوت ويؤدون صلواتهم سراً ويعلمون أبناءهم دينهم همساً خوفاً من بطش الدولة الملحدة .. كان الفرح في قلوبهم عظيماً ليس شماتةً في نظام سقط بل لأن القيد انكسر .. ولأن الإيمان الذي حورب طويلاً خرج إلى النور من جديد .
سقطت الشيوعية تلك الأيديولوجيا التي أنكرت وجود الله والعياذُ بالله .. واعتبرت الدين “أفيون الشعوب” وسعت لاقتلاع العقيدة من النفوس لكنها فشلت في كسر الفطرة
وبقي الإسلام في القلوب وبقي القرآن محفوظاً وسقط النظام وبقي الدين
وهنا يبرز السؤال المشروع والمؤلم في آنٍ واحد:
كيف كان بعض العرب المسلمين شيوعيين ؟
كيف لمن يؤمن بالله وبالقرآن، وبرسالة محمد ﷺ ، أن ينتمي إلى فكر يقوم أساساً على إنكار الخالق ومحاربة الدين ؟!
الجواب ليس بسيطاً لكنه يرتبط بسياق تاريخي وسياسي أكثر منه عقدي .. فقد انجذب بعض العرب إلى الشيوعية لا حباً في إلحادها بل كرهاً في الاستعمار وظلم الإقطاع وتسلط الأنظمة فظنوا – خطأً – أن الشيوعية طريق للعدالة الاجتماعية ونصرة الفقراء .. خلطوا بين شعارات العدالة وبين العقيدة التي تناقض أصل الإيمان !!
غير أن التجربة أثبتت أن العدالة بلا إيمان عمياء ، وأن الأنظمة التي تحارب الله لا يمكن أن تنصف الإنسان فسقط النموذج وانكشف الزيف وبقي السؤال شاهداً على مرحلة من التيه الفكري الذي دفع ثمنه الملايين !!
إن سقوط الشيوعية في ذلك المساء من عام 1991 لم يكن نهاية نظام سياسي فحسب بل كان درساً تاريخياً بليغاً
أن العقائد المستوردة مهما رفعت من شعارات براقة
إذا صادمت الفطرة والدين فإن مآلها السقوط .. ويبقى الحق ويبقى الإيمان .
ــــــــــ
*اديب وكاتب كويتي




