في الأزمات، لا يُسأل أولًا: ماذا حدث؟
بل: من تكلّم؟ ومتى؟ وبأي لغة؟
اللحظة الأولى في أي أزمة إعلامية لا تحتمل التردد، لأن الصمت فيها ليس حيادًا بل رسالة بحد ذاته. وكل دقيقة تمر دون توضيح تُفسَّر بطرق مختلفة وغالبًا بغير مصلحة الجهة المعنية.
الاتصال في الأزمات الإعلامية لم يعد مجرد إصدار بيان، بل إدارة واعية للمعلومة، وتقدير دقيق لتوقيت الكلمة وأثرها. فالكلمات في الأزمات لا تُقال فقط، بل تُحسب، وتُراقب، وتُحفظ في الذاكرة العامة طويلًا.
– الفراغ المعلوماتي لا يبقى فارغًا –
إما أن تملأه الجهة بالحقيقة، أو تملؤه الشائعات بالتأويل.
من أكثر الأخطاء شيوعًا أثناء الأزمات، الاعتقاد بأن تجاهل الحدث يقلل من حجمه. بينما الواقع يؤكد أن التأخر في الاتصال يضاعف الأزمة ويمنح الآخرين فرصة صياغة الرواية بدلًا عن أصحابها. كما أن تعدد الأصوات وتناقض التصريحات يُفقد الرسالة وزنها، ويُربك الجمهور بدل أن يطمئنه.
في الاتصال الفعّال وقت الأزمات لا تبحث الجهات عن الكمال، بل عن المصداقية.
ولا يُطلب منها امتلاك كل الإجابات بل تقديم ما هو متاح بوضوح، مع وعد صادق بالتحديث فالشفافية هنا ليست ضعفًا، بل أساسًا للثقة.
ومع هيمنة الإعلام الرقمي لم تعد الأزمات تنتظر النشرات الرسمية. الرأي العام يُبنى في المنصات، والتفاعل يسبق التوضيح، والانطباع يتشكل قبل البيان. ولهذا، أصبح الاتصال في الأزمات اختبارًا حقيقيًا لقدرة الجهات على مواكبة سرعة الجمهور، لا سرعة الحدث فقط.
ولا يمكن فصل إدارة الأزمات الاتصالية عن الاستعداد المسبق لها. فالأزمات لا تُدار لحظة وقوعها فقط بل تُدار قبل ذلك بسنوات من خلال بناء الثقة ووضع سيناريوهات محتملة وتحديد آليات واضحة للتواصل عند الطوارئ. فالاتصال المرتبك غالبًا ما يكون انعكاسًا لغياب التخطيط، لا لضخامة الحدث.
كما أن اختيار اللغة في الأزمات لا يقل أهمية عن مضمون الرسالة نفسها. فاللهجة المتعالية، أو الدفاعية، أو الغامضة، قد تُفهم على نحو معاكس لما يُراد منها. وفي المقابل اللغة الواضحة، المباشرة، والخالية من التبرير المفرط قادرة على تهدئة الجمهور حتى في أصعب الظروف.
إدارة الأزمات الاتصالية هي في جوهرها إدارة للعلاقة مع الجمهور. علاقة تُختبر عند الشدائد، وتُبنى أو تُهدم بحسب ما يُقال، وكيف يُقال، ومن يقوله. ولهذا لم يعد كافيًا امتلاك فريق إعلامي نشط، بل فريق يفهم حساسية اللحظة ويدرك أن كل كلمة قابلة للتأويل، وكل صمت قابل للتضخيم.
وفي زمن تتقاطع فيه الأخبار مع الآراء، والمعلومة مع الانطباع، يصبح الاتصال المسؤول ضرورة لا ترفًا. فالجمهور اليوم شريك في الحدث لا متلقٍ سلبي له، ويتفاعل مع الرسائل الرسمية بقدر ما يراقب صدقها واتساقها مع الواقع.
لهذا كله، تبقى إدارة الأزمات الاتصالية واحدة من أكثر المهام تعقيدًا في العمل الإعلامي لأنها لا تتعامل مع الوقائع فقط، بل مع المشاعر، والتوقعات، والذاكرة الجمعية. وهي اختبار حقيقي لاحترافية المؤسسات وقدرتها على الحديث بثبات حين يهتز المشهد من حولها.
في المحصلة … الأزمات لا تقيس قوة المؤسسات، بل تقيس طريقة حديثها عن نفسها.
قد تنتهي الأزمة لكن الكلمة الأولى تبقى، إمّا شاهدًا على وعي مهني … أو دليلًا على ارتباك لا يُنسى.



