الابتلاء سنّة ماضية في حياة البشر؛ به يمتحن الله القلوب، ويهذّب الأرواح، ويوقظ فينا معاني الصبر والرضا. وبين ألم الفقد وقسوة الغياب، يهبنا الله نعمةً خفيّة لا ندرك قيمتها إلا حين نُثقل بالحزن.. نعمة الصبر … ذلك البلسم الرباني الذي يخفّف حدّة الأيام، ويمنح القلب قدرة الاستمرار دون أن يمحو الوفاء.
في منتصف الأسبوع الماضي، تلقيت خبر وفاة زوجة رفيق الدرب محمد محراب ، كان الخبر ثقيلاً ، صادق الألم ، لم أشعر بحزنٍ على شخصٍ من خارج دائرة الأسرة والعائلة كما شعرت برحيل الأخت الفاضلة (أم نادر) .. كان حزنًا مختلفًا؛ أعمق وأقرب إلى وجدانٍ يعرف معنى الرفقة، ويقدّر قيمة العِشرة، ويحترم البيوت التي تُبنى على الطاعة والمودّة.
كان (أبا نادر) ، عندما يتحدّث عنها، لا يذكرها إلا مقرونةً بالخير؛ يتحدث عن التزامها، بسجداتها التي لا تنقطع عنها، وعن صلتها الدائمة بربها ، روحٌ اختارت القرب من الله طريقًا، والسكينة منهجًا، والرضا سلوكًا. وحين يرحل مثل هذا القلب، لا يكون الفقد عابرًا، بل امتحانًا صامتًا لكل من عرف معنى الشراكة في الإيمان قبل الدنيا.
وزاد هذا الشعور عمقًا حديث زوجتي العزيزة (أم لؤي) عنها؛ حديثٌ خرج صافياً لا يشوبه تصنّع ولا رياء. أكدت، بيقينٍ واطمئنان، أن (أم نادر).. كانت كتلةً من الهدوء والرقي؛ هدوءٌ ينعكس على سلوكها اليومي، ورقيٌّ يتجلّى في أسلوبها الأمثل وتعاملها الهادئ. حضورها كان مريحًا، كلماتها موزونة، وأثرها عميقًا بلا ضجيج—كأن الطمأنينة اختارتها مسكنًا لها.
هنا ندرك أن الابتلاء ليس عقوبة، بل اصطفاء؛ وأن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه، وإذا ابتلاه ألهمه الصبر، وإذا صبر عوّضه. ولعل من أعظم صور العوض تلك القدرة على النسيان التدريجي؛ لا نسيان الذكرى، بل نسيان حدّة الألم، حتى لا تتوقف الحياة عند محطة الفقد.
أسأل الله العظيم أن يعوّض (أبا نادر) وأسرته خير العوض، وأن يربط على قلوبهم، وأن يجعل ما أصابهم رفعةً في الدرجات وتكفيرًا للسيئات. وأسأله سبحانه أن يرحم الفقيدة (أم نادر) رحمةً واسعة، وأن يجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، وأن يجزيها عن سجداتها وصدقها خير الجزاء.
رحمها الله، وجبر كسر قلوب ابنها وبناتها واسرته ومن أحبّوها ، وجعل الصبر رحمةً لا قسوة، وذكرى نورًا لا ألمًا.




