الحكايات مواقف نتبادل فيها الأدوار بين راوي ومعني، مستمع ومتفرج في بعض الأحيان، تتأرجح مشاعرنا في كل مانتقمصه، نتعاطف مع المذنب أحيانا و أخرى مع الضحية أو نرى الأمور بطرق مختلفة ليس هناك مذنب أو الجميع أذنب بحق الجميع أو الجميع ضحايا.
"حياه" سميت بهذا الاسم تيمنا بجدتي لأمي التي كانت تحمل من الحب الكثير هادئة الطباع متزنة، منعزلة، قليلة المخالطة، متدينة ومتمسكة بالعادات و التقاليد الاجتماعية، لم أرث منها سوى قوة الوازع الديني فأنا اجتماعية، قوية مجتهدة ومفعمة بالحياة، أحب الاختلاط بالأخرين وتعدد العلاقات الاجتماعية من صغري فشخصيتي متزنة بعقلية واسعة متسعة الأفق على عكس اخوتي وجدتي ربما أكون أقرب لشخصية "نور" والدتي التي كانت تضيئ حياتنا بشكل كبير فعلا هي اسم على مسمى...
نشئت في بيت لا تتساوى فيه كفتا التوافق الفكري ولا العاطفي بين والداي فأمي " نور " كانت معلمة، محنكة، شغوفة للعلم و الثقافة، قيادية، أما عن " أكرم " والدي كان بشخصية مختلفة تماما منغلق الفكر على أفكاره الشخصية فقط محدود التفكير ضيق الأفق ولم يكمل تعليمه الدراسي...
كغالبية البيوت التي تتأرجح فيه كفتا التوازن الفكري والعاطفي بين الأباء والأبناء ينشأ الأبناء متعطشين للأمان العاطفي أو بمعنى أخر الاحتواء و الحضن المعنوي.
ذات يوم في لحظة بحث بين صفحات مواقع التواصل الاجتماعي عن بعض الصور التي تحمل اقتباسات تصف مشاعرنا باتت في دواخلنا لأشاركها بين هذه المنصات، تلقيت دعوة صداقة على منصة ( الفيسبوك ) من أحدهم، قبلت طلب الصداقة و على غير العادة وبدافع الفضول و التسلية لان في تلك الفترة كانت إجازة نهاية العام الدراسي فالفراغ و الملل يملئان وقتي.
ألقى التحية فور قبول قبولي للصداقة ورددت بمثلها، عرف بنفسه
وقال: " عادل " ، عمري 24 سنة، والمصادفة أنه يسكن في نفس المدينة التي أعيش فيها ولكنه لا يحمل جنسيتنا فهو مقيم في بلدنا، وأنا أيضا عرفت بنفسي بكل ثقة، ومن هنا بدأت الحوارات تدور بيننا في مختلف المواضيع حول كل شيء تبادلنا وجهات النظر مع بعض الضحكات و الأفكار عن سير أمور الحياة والدراسة و العمل أيضا، وكذلك العلاقات على اختلافها العائلية والاجتماعية، وبعد مضي أكثر من ست ساعات تقريبا انتهت المحادثة حقيقةً لم نتواعد للقاء أخر فأنا لا تروقني تلك العلاقات الخفية لان من قناعاتي أن كل ما نخجل من أن يعرفه الأخرين عنا هو عيب مجتمعي و الهم محرم دينيا.
بعد مضي فترة لابأس بها من لقاء الليلة الواحدة كنا نتبادل خلالها التعليقات على المنشورات و الصور والتهنئة على المناسبات الدينية بشكل عام وفي حدود الأدب فوجئت إذ نشر عادل صورة لدعوة زفاف إبن خالته، ابتسمت حينها وبعفوية علقت بالأسفل هذه دعوة زفاف عمتي الصغيرة (حيث خطبت عمتي الصغيرة قبل فترة ليست بالبعيدة من عائلة ليس بيننا سابق معرفة أبدا )
رد عادل في اليوم التالي من التعليق حقا!! يا للمصادقة فعلاً كما يقال بأن الدنيا صغيرة ضحكنا سويا وبدأنا نتبادل الأحاديث لمدة لا تقل عن الأربع أو الخمس ساعات تقريباً، في هذه الفترة كانت اللقاءات يوميه بعد منتصف الليل كل منا وراء شاشته الصغيرة نتبادل الحوارات والضحكات البعيدة تماماً كلمات الحب و الغزل أو حتى المواعدة بإقامة علاقة حب أو ما شابه فنحن تجمعنا علاقة بصفة غريبة نوعاً ما ليس لها مسمى على الأقل من وجهة نظري.
ذات يوم وبدون مقدمات طلب " عادل " رقم هاتف والدتي لأنه يريد التقدم لخطبتي، تجمدت أطرافي، تأرجحت مشاعري بين الصدمة والخجل من الطلب الغريب و بدون وعي أقفلت هاتفي ولم أكتفي بقفل صفحة الفيسبوك فقط، حينها بدأ خيالي يأخذني بين تساؤلات كثير عن الكيفية التي سيتقبل أهلي فيها اقامتي علاقة بهذا الشكل ؟؟ وهل أن " عادل " أخبر أهله عني ؟؟، بين ماذا وهل وكيف قضيت ليلتي بأكملها على الفراش مجافياً النوم مقلتاي.
لم أجرء على فتح ( الفيسبوك ) لعدة أيام خجلاً وتوتراً وخوفاً مما يمكن أن أراه من كلمات كتبها " عادل " على صفحة الدردشة إلى أن في ليلة اعتليت الفراش كالليالي السابقة بدأت أفكر وانتابني الفضول ففتحت الصفحة الخاصة وإذا برسالة واحدة موجودة يسألني لماذا أقفلت المحادثة ولم أرد على طلبه بدأت أكتب ويداي ترتجفان خوفاً وأنفاسي تدخل وتخرج بهدوء هل أنت جاد أم تريد اللعب بمشاعري وأردت الدخول من هذا الباب؟؟ رد على الفور يعاتبني عن غيابي للأيام الماضية ثم أجاب " حياة " أنا جاد والزواج ليس به مزاح أريد فقط ان ترسلي رقم والدتك حينها ستعرفين جيدا أنني احترمك وأريد الارتباط بك حقاً أم مزاحاً كما تزعمين.
قلت بتردد هل أخبرت أهلك عني وعن علاقتنا؟؟
أجاب بصراحة لا، كنت أفكر في أفكار كثيرة أمهد فيها لكي أستطيع إقناع أمي بالاتصال على والدتك لطلب الزواج منك، وبدأ يسرد ما توصلت إليه بنات أفكاره من طرق لطرح موضوع الخطبة من فتاة لا يعرفها ولا يعرف عائلتها، أثناء كتابته وأنا أنظر للشاشة جلست من استلقائي على السرير وبدأت تحمساً أفكر معه كيف لنا إقناع الأهل من الجهتين لنتوج هذا التعارف البريء بالزواج وخطرت في بالي فكرة اعتقدت أنها مثالية وكانت كالتالي سالته عن شقيقته التي تصغره فأنا أعرفها من خلال حديثه عنها في اللقاءات الماضية هل يمكنك أن تطلب منها الحضور مع والدتك لحفل استقبال أخي الأصغر "معن " لآنه لم يمضي على ولادته حينها سوى ستة أيام وسوف يكون الحفل في بيتنا بعد يومين بحجة أنني صديقتها من أيام الدراسة ليكون حضورهن كإعادة علاقة وتلبية لدعوة صديقة الدراسة وفي نفس الوقت تعارف الأمهات ببعضهن. اعجبت " عادل " الفكرة وفعلاً اتفقنا على تنفيذها.
بعد حفل الاستقبال بيومين اتصلت خالة " عادل " وعرفت بنفسها كونها حضرت مع أمه و شقيقته وطلبت يدي للزواج من ابنهم عادل .قوبل طلبها بالرفض من نفس المكالمة ولم تخبرني والدتي بهذا ربما لأنها لم تره بعين جادة من الأساس.
أرسل " عادل" على الرسائل الخاصة و أخبرني بما حدث بين خالته ووالدتي من حوار عن الخطبة و أن طلبهم قوبل بالرفض مباشرة، في الحقيقة ليس لدي تعليق وقتها أبداً فقد اعتقدت أنه من حق الأهل أخذ القرار دون الرجوع إلى الابنة لانهم الأعرف بمصلحتها دائماً، تركت الرسالة دون رد مني ومضيت في الحياة راضية بقرار وألدتي حتى أنني نسيت الأمر فقد كنت متفوقة دراسياً وأردت المحافظة على هذا التفوق. بعد عام كامل عاودت الاتصال مجدداً الخالة بالسيدة " نور " لتطلب يدي للزواج من إبن أختها " عادل " لكن في هذه المرة نادتني أمي إلى غرفتها لتجلسني على الأريكة التي كلما أرادت التحدث معنا عن أمورنا الخاصة تجلسنا هناك وكأنها أريكة اعتراف أو استرخاء للبوح وقالت بكل هدوء اسمعيني ياابنتي تقدم شاب لخطبتك منذ عام و عاودت خالته الإتصال بي قبل يومين ولكن أنا ووالدك لسنا موافقين أبداً لأنه لا يحمل جنسية البلد وربما هو يريد الاستفادة منك لتحسين أوضاعه المعيشية أنا أخبرتك الآن لانه من حقك معرفة موضوع الخطبة ولكن تذكري هو مرفوض كعريس لك جملة وتفصيلاً، وأنا أنستمع لكلمات أمي بدأت تتفتح أبواب في عقلي لم تكن موجودة أساساً دون شعور من والدتي تحديداً بعد كلمة حقوقك التي جعلت التساؤلات تدور في رأسي عن إمكانية إبداء رغبتي في الارتباط بشخص أراه مناسباً فكرياً وبدأت بعد الجلسة في البحث عن إجابات بين المختصين سواء من رجال الدين والاستشاريين الأسريين، لمعرفة الحقوق والواجبات المترتبة علي ولي جعلتني أنظر للحياة من نافذة مختلفة، شعرت بامتعاض بعدها من أبواي حين إذ لسلبي أبسط الحقوق ألا وهو شرعية اختيار شريك الحياة الذي يناسبني فكرياً بعيداً عن العاطفة، أتفهم جيداً خوفهم على صغيرتهم التي طالما أرادوا لها حياة مريحة.
مع كل هذا لا يوجد تواصل بيننا أنا و" عادل " نهائياً، ولكنه عاد لنفس الفكرة من ناحية مختلفة إذ تواصل والده مع والدي مباشرة وحدد معه مرعد لزيارته دون تحديد سبب معين لأنه لم يعرف بنفسه أبداً رحب أبي بطلبه للزيارة واستقبله في منزل عمي الأكبر " عبد الأمير "، في اليوم المحدد دخل والد " عادل " مع جاهه من الرجال وبعد حفاوة الاستقبال من والدي وإخوته طلب الرجل الأكبر بينهم يدي مجددا للزواج من ابنهم وللأسف كالمرات السابقة قوبل طلبهم بالرفض وكانت حجة أبي هذه المرة أنني مازلت في مرحلة الدراسة وان عائلتنا لا تزوج فتياتها في هذه المرحلة. رد الرجل الأكبر وقال حسناً ما رأيكم بإقامة الخطبة الأن وعند إكمال الأنسة مرحلة الدراسة يتم الزواج؟؟
اشطاط عمي " عبد الأمير " غضباً من إصرار هذه العائلة على الخطبة وقال بصوت غاضب ليس لدينا بنات للزاج ألا تفهمون لا نريد مصاهرتكم ولا يشرفنا أن يكون ابنكم زوجاً لابنتنا و طردهم من منزله، بعد هذا الموقف وتعرض عائلة " عادل " للإهانة و إحراجه لهم انطفئ هو و اشتعلت داخلي نار التحدي.
انتظروا الجز ء الثاني
ــــــــــــــ
شاركنا قصتك على البريد الالكتروني الخاص بالصفحة :
bdwnnqatfwasl@gmail.com




