ليس هناك سعادةٌ أصدق ولا متعةٌ أنقى من لحظة نزول المطر .. مشهدٌ يتكرر عبر الأزمنة لكنه لا يفقد قدرته على ملامسة الوجدان الإنساني .. ففي زمننا الحاضر نفرح بالمطر لجماله وهدوئه ورائحته .. أما عند أسلافنا ولا سيما أبناء الصحراء فكانت الفرحة به أعظم وأعمق لأنه كان وعد الحياة وبشارة الاستمرار .
المطر .. في حياة الأقدمين لم يكن حدثاً عابراً بل مصدر عيش وعنوان أمن ورمز رجاء .. بنزوله يُستبشر بربيعٍ مزدهر تحيا به الماشية وتتكاثر وتكتسي الأرض ثوبها الأخضر بعد طول انتظار .. تنبت النباتات الطبيعية على اختلاف أنواعها ويختلط العشب بالزهر والورد فتتحول الصحراء القاسية إلى لوحة نابضة بالحياة .
ولهذا ظل المطر أمنية البدوي المعلّق قلبه بالصحراء يرقب الغيم ويقرأ حركة السماء ويعلّق آماله على أول قطرة
فالمطر لم يكن رفاهية بل مصيراً وكان الفرح به فرح نجاة واستمرار ، هذه العلاقة العميقة بالمطر لم تقتصر على حياة البسطاء ، بل امتدت حتى إلى قصور الملوك .. فقد رُوي أن الرميكية زوجة وحبيبة المعتمد بن عباد أمير إشبيلية اشتاقت يوماً إلى الطين المبلل بالمطر لتسير عليه بقدميها .. لم يكن ذلك ترفاً ولا نزوة بل حنيناً صادقاً إلى حياةٍ عاشتها قبل القصر والحرير والرخام .. فأدرك المعتمد معنى هذا الشوق الإنساني .. ولبّى لها طلبها احتراماً لروحٍ لم تنفصل عن أصلها .
وهكذا يبقى المطر فرحة الجميع فرحة الغني والفقير ابن المدينة وابن الصحراء .. فعندما يهطل المطر تتساوى القلوب تحت السماء وتعود الإنسانية إلى بساطتها الأولى حيث كانت قطرة ماء كفيلة بأن تصنع الحياة وتوقظ الفرح .
وفي الختام :
يظل المطر آيةً من آيات الله ورحمةً تتنزل من السماء ، تحيي الأرض وتنعش القلوب .. به نتعلم معنى الشكر الحقيقي على النعم التي قد نألفها فنغفل عن عظمتها .. فالحمد لله على غيثه والحمد لله على رحمته التي لا تنقطع نسأله أن يجعل مطرنا خيراً وبركة وسقيا رحمة لا سقيا عذاب وأن يديم علينا نعمه ظاهرها وباطنها .




