تشهد سلطنة عمان منذ تولي السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم في يناير 2020م مرحلة تاريخية فارقة اتسمت بالانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل. فمن خلال منظومة تشريعية متطورة ورؤية "عمان 2040" الطموحة، نجحت السلطنة خلال ست سنوات في إعادة صياغة هويتها الاقتصادية، موازنةً بين الانضباط المالي الصارم واستقطاب الاستثمارات النوعية.
ولم يعد الاقتصاد العماني رهينة لتقلبات أسواق النفط فحسب، بل تحول إلى بيئة حيوية تعتمد على التنوع والاستدامة؛ حيث تعكس الأرقام والمؤشرات الدولية الأخيرة قصة نجاح ملهمة في خفض المديونية، ورفع التصنيف الائتماني، وتدشين قطاعات واعدة كالهيدروجين الأخضر والصناعات التقنية.
ويمكن رصد ملامح هذا التحول عبر ثلاثة محاور رئيسية: (الاستقرار المالي- جاذبية الاستثمار- رهان الطاقة النظيفة)، لترسم صورة متكاملة لوطن يخطو بثبات نحو مصاف الدول المتقدمة اقتصاديًا. ولنتحدث عن المحاور الثلاثة بتفاصيل أكثر..
(1) "رؤية عمان 2040" والتحول من العجز إلى الفائض:
عندما تولى السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم، واجه الاقتصاد العماني تحديات مزدوجة تمثلت في انخفاض أسعار النفط وتبعات الجائحة العالمية. ومع ذلك، وبفضل خطة "التوازن المالي" متوسطة المدى، نجحت السلطنة في تحقيق تحول تاريخي، حيث ركزت السياسة الجديدة على خفض الدين العام وزيادة كفاءة الإنفاق.
وبحلول عام 2023م، سجلت الميزانية العامة للدولة فائضًا ماليًا بنحو 931 مليون ريال عماني. هذا الفائض لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة لزيادة الإيرادات غير النفطية وتحسن أسعار النفط.
وبلغة الأرقام، نجد أن نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي قد انخفضت بشكل ملحوظ من حوالي (70%) في عام 2020م لتصل إلى أقل من (35%) في عام 2024م.
ومن ناحية أخرى، رفعت وكالات التصنيف العالمية مثل "ستاندرد آند بورز" و"موديز" تصنيف سلطنة عمان الائتماني، مما يعكس ثقة المجتمع الدولي في استدامة الاقتصاد العماني.
إن هذا الأساس المتين هو ما جعل سلطنة ُمان بيئة جاذبة للاستقرار المالي، حيث تم توجيه الفوائض المالية لدعم الحماية الاجتماعية والمشاريع التنموية الكبرى.
(2) التنويع الاقتصادي.. عُمان وجهة عالمية للاستثمار:
تدرك سلطنة عمان في عهد السلطان هيثم بن طارق أن الاعتماد على النفط هو مخاطرة، لذا جاءت استراتيجية التنويع الاقتصادي لتجعل من قطاعات السياحة، واللوجستيات، والتعدين، والصناعة محركات أساسية للنمو.
وفي هذا السياق، لعب "جهاز الاستثمار العماني" دورًا محوريًا في إعادة تنظيم الشركات الحكومية ورفع كفاءتها. كما تم إطلاق "صندوق عمان للمستقبل" برأسمال قدره 2 مليار ريال عماني لدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمشاريع الاستثمارية الجريئة.
وفيما يتعلق بالاستثمار الأجنبي المباشر، فقد بلغ حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في السلطنة بنهاية عام 2023م أكثر من 25 مليار ريال عماني، بزيادة كبيرة عن الأعوام السابقة.
ومن جانب آخر، أصبحت "منطقة الدقم الاقتصادية" أيقونة الاستثمار في الشرق الأوسط، حيث استقطبت استثمارات بمليارات الدولارات، كان أبرزها مصفاة الدقم التي بلغت تكلفتها حوالي 9 مليارات دولار.
كما أن تبسيط الإجراءات عبر "صالة استثمر في عُمان" منح المستثمرين مرونة غير مسبوقة، مما حول السلطنة من مصدر للمواد الخام إلى مركز عالمي للتصنيع والخدمات اللوجستية بفضل موقعها الاستراتيجي المطل على البحار المفتوحة.
(3) الطاقة الخضراء.. رهان عُمان على المستقبل:
في ظل التوجه العالمي نحو الاستدامة، وضع السلطان هيثم بن طارق سلطنة عمان في مقدمة الدول التي تتبنى الطاقة النظيفة، معلنًا عام 2050م موعداً لتحقيق الحياد الصفري الكربوني.
وتطمح عمان لتصبح واحدة من أكبر مصدري الهيدروجين الأخضر في العالم بحلول عام 2030م، ولذا تم تخصيص مساحات شاسعة من الأراضي (تزيد عن 50 ألف كيلومتر مربع) لمشاريع الطاقة المتجددة، حيث تخطط السلطنة لإنتاج أكثر من مليون طن من الهيدروجين الأخضر سنويًا بحلول عام 2030م، ليرتفع إلى 8 ملايين طن بحلول عام 2050م.
ومن المتوقع أن يجذب هذا القطاع استثمارات بقيمة 140 مليار دولار على مدار العقود الثلاثة القادمة.
والأمر اللافت للنظر، أن هذا التحول ليس بيئيًا فحسب، بل هو اقتصادي بامتياز؛ إذ من المتوقع أن توفر مشاريع الطاقة النظيفة آلاف الوظائف للعمانيين في تخصصات هندسية وتقنية دقيقة، مما يعزز من مفهوم "الاقتصاد الدائري" ويضمن استدامة الموارد للأجيال القادمة.
ـــــــــــــ
*رائد أعمال ومستثمر.




