يثار بين الحين والآخر حديث عن تكريم هذا الشاعر أو ذاك، وهو حديث يبدو في ظاهره تقديرًا للموهبة، غير أن النظر المتأمل في مفهوم “التكريم” وآليته يفرض علينا وقفة عقلانية لا عاطفية.
أولًا:
لستُ مع تكريم أي شاعر تكريمًا ماديًا مباشرًا؛ فالشاعر – في الأصل – مارس شعره بوصفه نشاطًا اختياريًا لحسابه الشخصي، نال من خلاله الشهرة، والمكانة الاجتماعية، والعائد المعنوي والمادي طوال سنوات عطائه.
والإشادة الأدبية، والتوثيق الإعلامي، وحفظ اسمه في الذاكرة الثقافية، هي في نظري أرقى صور التقدير، وأصدقها أثرًا.
ثانيًا:
إن الإشكال الحقيقي لا يكمن في مبدأ التكريم، بل في توقيته وطريقته.
ففي مجتمعاتنا – مع الأسف – لا يأتي التكريم غالبًا إلا عند الرمق الأخير أو بعد الوفاة، حين يصبح عديم الجدوى العملية.
وقد شاهدنا نماذج مؤلمة لذلك، كإهداء مركبة أو مال لشاعر على فراش الموت، لا يستطيع ركوبها، ولا الانتفاع بها، ولا حتى التصرف في قيمتها.
وهذا النوع من التكريم لا يضيف شيئًا إلى حياة المكرَّم، بقدر ما يضيف صورة إعلامية لمن قام به.
التكريم الحقيقي يجب أن يكون في وقت العطاء، لا في وقت الوداع.
ثالثًا:
التكريم الفردي العاطفي يفتح أبوابًا واسعة للاجتهادات الشخصية، وقد تصاحبه شبهات لا داعي لها، سواء في مصادر الأموال أو في دوافع المبادرة، وهو ما قد يحوّل فعلًا ثقافيًا نبيلًا إلى محل تأويل وسوء ظن.
ولهذا فإن التكريم – إن أُريد له أن يكون صحيحًا وعادلًا – يجب أن يكون: 1. من خلال جهات رسمية أو جمعيات ثقافية معتمدة، كجمعيات الفنون والهيئات الأدبية. 2. بميزانيات واضحة مخصصة لهذا الغرض، وتحت رقابة مالية وإدارية تمنع أي شبهة أو استغلال. 3. وفق معايير معلنة، تضمن العدالة وتمنع المجاملة أو الانتقائية.
رابعًا:
الثقافة لا تُخدم بالهدايا العشوائية، بل تُخدم بالتوثيق، والدراسة، والتقدير المؤسسي المنظم.
فأن يُكتب عن الشاعر، وتُحفظ قصائده، ويُدرج في الذاكرة الثقافية الوطنية، هو تكريم أبقى أثرًا من أي هدية مادية طارئة.
خلاصة القول:
لسنا ضد الشاعر، ولا ضد تقديره، ولكننا مع ترشيد مفهوم التكريم، وضبطه بإطار مؤسسي نزيه، يحفظ كرامة المبدع، ويصون المجتمع من العاطفة المؤقتة، ويجعل من التقدير فعلًا ثقافيًا راشدًا لا ردّة فعل عاطفية متأخرة.
فالتكريم إن لم يكن في وقته، وبطريقته الصحيحة، قد يتحول من قيمة إنسانية إلى صورة إعلامية، ومن وفاء إلى مجرّد مشهد.
والإشادة الصادقة، والتوثيق الثقافي، والاحتفاء المنهجي، تبقى أصدق وأبقى من أي تكريم متأخر لا يغيّر شيئًا من الواقع.
محمد شبيب

تكريم شاعر
وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://shahdnow.sa/articles/334028/



