حين تهلُّ أنوار شهر رمضان المبارك، يتغير إيقاع الكون وتكتسي الأرض بحلة من الطمأنينة والسكينة. فهو ليس مجرد شهر للامتناع عن الطعام والشراب، بل هو ميقاتٌ رباني، ومحطة سنوية كبرى لتزكية النفوس وتجديد العهد مع الخالق سبحانه وتعالى. إنه الشهر الذي فُتحت فيه أبواب الجنان، وغُلقت فيه أبواب النيران، ونادى فيه منادٍ: "يا باغي الخير أقبل".
وتتجلى عظمة رمضان في كونه شهراً لتحقيق التقوى، وهي الثمرة الكبرى التي نص عليها القرآن الكريم في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون" (البقرة: 183)، فالصيام يربي في المسلم ملكة المراقبة الذاتية؛ حيث يترك الإنسان شهواته الحلال امتثالاً لأمر الله، مما يقوي إرادته في ترك المحرمات في سائر الأيام.
ورمضان هو "شهر القرآن" بامتياز، ففيه نزل الوحي ليكون هدى للناس. لذا، فإن أعظم نفحات هذا الشهر هي العودة إلى رحاب المصحف الشريف، ليس فقط تلاوةً، بل تدبراً وعملاً، مما يعيد صياغة العقل الروحاني للمؤمن ويملأ قلبه بنور البصيرة.
أما في ليالي رمضان، فتتجلى صورة إيمانية فريدة في صلاة التراويح والقيام. حيث يقف المؤمنون صفوفاً خاشعة، تنصت القلوب قبل الآذان لآيات الله، مما يمنح النفس طاقة إيجابية وصفاءً ذهنياً يطرد هموم الدنيا. وفي تلك السجدات الطويلة، تفيض العيون بالدمع وتلهج الألسنة بالدعاء، خاصة في ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، والتي يترقبها المحبون في العشر الأواخر طمعاً في مغفرة شاملة تمحو ما تقدم من ذنوبهم.
ومن جانب آخر، لا تقتصر نفحات رمضان على الجانب التعبدي الفردي، بل تمتد لتشمل التكافل الاجتماعي. فالجوع الذي يشعر به الصائم يذكره بمعاناة المحتاجين، فتفيض الأيدي بالصدقات وتُبسط الموائد لإفطار الصائمين. كما أن رمضان هو شهر "الجود"، وكان النبي -ﷺ- أجود ما يكون في رمضان. هذا البعد الإنساني يقوي الروابط الاجتماعية، ويغسل القلوب من الضغينة والشح، وينشر روح التسامح والمودة بين أفراد المجتمع.
إن رمضان يمثل دورة تدريبية مكثفة لمدة ثلاثين يوماً، تهدف إلى تغيير العادات السيئة واستبدالها بأخرى حسنة. هو فرصة لتهذيب اللسان عن اللغو، وتطهير العين عن الحرام، وضبط النفس عند الغضب. فمن لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.
وأخيراً.. فإن شهر رمضان يمر مر السحاب، لكن آثاره يجب أن تظل باقية في النفوس طوال العام. السعيد هو من استنشق نفحاته، وتزود من طاعاته، وخرج منه بقلب سليم وروح وثابة نحو الخير. إنه فرصة ذهبية للمصالحة مع الله ومع النفس، فليكن صيامنا صيام مودع، وقيامنا قيام محب، وعطاؤنا عطاء من لا يخشى الفقر.
ــــــ
*كاتب صحفي




