في شهرٍ تتجلّى فيه القيم، وتصفو فيه النفوس، نفتح صفحات من نور لنستحضر سِيَر شخصياتٍ مكيةٍ صنعت أثرها بهدوء، وعملت بإخلاص، وخدمت مكة المكرمة وأهلها وقاصديها من حجاجٍ ومعتمرين، دون أن تبحث عن مالٍ يُجنى أو منصبٍ يُنال، بل جعلت من خدمة أقدس البقاع هدفًا ساميًا، اقتداءً بمؤسس هذه الدولة المباركة وأبنائه الملوك البررة – رحمهم الله جميعًا – الذين جعلوا خدمة أم القرى وضيوف الرحمن شرفًا ومسؤولية.
وأنا أقلب صفحات كتب تاريخ مكة المكرمة ، أوقفتني أسماء لشخصيات برزت وعملت بجد واجتهاد لخدمة مكة المكرمة وأهلها وقاصديها من حجاج ومعتمرين ، شخصيات لم تسع للبحث عن مال تجنيه أو منصب تصل إليه ، لكن هدفها انصب على خدمة أقدس البقاع مقتدين بمؤسس المملكة وأبناؤه الملوك البررة يرحمهم الله جميعا ، الذين جعلوا خدمة أم القرى وقاصديها هدف سام يسعون لتحقيقه دون النظر لمكسب مالي أو معنوي .
وطوال أيام شهر رمضان المبارك ، أدون بهذه الزاوية سيرا لشخصيات تركت بضمات واضحة في ذاكرة التاريخ تروي للأجيال قصصا تحكي إنجازات تحققت بالإصرار والعزيمة .
وفي زاوية شخصيات مكية لهذا اليوم ، أتحدث عن الشيخ محمد سفر السفياني ، المولود بمكة عام ١٣٣١هـ والذي عاش حياة اليتم والألم ، فكانت بداية حياته التعليمية بحلقات المسجد الحرام ، ثم التحق بمدرسة الفلاح عام 1345 هــ ، ليتركها عام 1350 هــ ، ويبدأ حياته العملية ، بعد وفاة والده وهو في الثانية عشر من العمر محاسبا لدى الشيخ ابراهيم حلواني ، الذي كان يعمل في التجارة .
وفي قصة حياة الشيخ محمد سفر ـ يرحمه الله ـ العديد من المواقف والأحداث والتي رواها في حوار صحفي أجريته معه عام 1414 هــ ، إذ أوضح ـ يرحمه الله ـ أنه استطاع اكتساب خبرات جيدة في مجال التجارة ، مكنته من البدء في افتتاح محله الخاص براس مال قدره مائة وثمانية عشر جينها ، وكان سعر الجنيه ثمانية عشر ريالا في الخمسينات ، وكانت تجارته المواد الغذائية بما يعرف اليوم بالبقالة ، وفي عام 1365 هــ دخل مجال تجارة الخشب حيث كان يشتريه من جاوا .
وتزوج العم محمد ـ يرحمه الله ـ عام 1358 هــ ورزق بابنه محمود الذي أصبح وزيرا للحج ـ يرحمه الله ـ وشقيقته ، غير أن حياته لم تستقر فتوفيت زوجته وابنه محمود لا يتجاوز السنة ، وابنته لا تتجاوز السبعة أيام ، فتكفلت والدته بتربيتهما .
وحينما يذكر اسم محمد سفر تذكر أعماله في تحسين القبور التي قال عنها أنه كانت مليئة بالمياه الجوفية ، وتجد القبر كأنه بئر حيث وجدنا مسافة نصف متر في القبر مليئة بالمياه فكيف يدفن فيه الميت .
وكان العاملون في القبور قبل دفن الميت يرموا الخيش ومن بعده الميت وهذا الميت الحاج يشفع لسبعة والسبعة يشفعون لسبعين والسبعين يشفعون لسبعين ألف والميت يجب أن يكرم .
وأول عمل قام به في تحسين القبور كما قال : ” عملت ميدات وبنيت عليها وربنا وفق الملك فيصل ـ يرحمه الله ـ قبل أن يتولى الملك حيث علم بما نويت أن أعمله بالمقابر بعد أن أخبره بذلك الشيخ / عبدالملك بن دهيش فساعدنا في ذلك .
وعملت مقابر عدة منها مقبرة السيدة ميمونة في طريق المدينة المنورة وكذلك مقابر اللحاينة حيث حضر بعضهم واشتكاني عند الشريف شرف العبدلي حينما كان في البلدية وطلبوا أن اتولى تحسين المقابر .
كذلك عمل تحسينات لقبر السيدة خديجة بالمعلاة وتحدثت مع الشيخ سليمان العمرو رئيس المحاكم بمكة المكرمة للموافقة على إجراء التحسينات وصدرت الموافقة وكان ذلك عام 1410 هــ وتم عمل ستمائة قبر بجوار قبر السيدة خديجة .
وفي بحرة القديمة كلفت من قبل معالي أمين العاصمة المقدسة السابق الأستاذ فؤاد توفيق إجراء التحسينات بالمقابر من إضاءة وسفلته وغيرها .
وقد عُرف العم محمد ـ يرحمه الله ـ بالطواف يومياً حول الكعبة المشرفة والدعاء الدائم عند الملتزم ، وحرصه على دهن الحجر الأسود وعتبات الملتزم بدهن الورد وباب الكعبة المشرفة .
وأذكر أنني كلما زرته في داره بحي العزيزية بمكة المكرمة لا أخرج من عنده إلا ومعي توله من دهن العود أو المسك ، مع حبات من التمر .
رحم الله العم محمد بن محمود سفر السفياني الذي توفي في مكة المكرمة عام 1418 هـــ .
ــــــــــــ
للتواصل :
ahmad.s.a@hotmail.com
ashalabi1380@



