في رمضان تنساب فيه المشاعر كالنهر، وتمزج بين جلال الذكر وعمق الأثر، مع استحضار عبق الشوق النبوي وهدي الصحابة الأخيار ..
رمضان: ميقات الأرواح وعشق المتقين ، يطلُّ علينا شهر رمضان المبارك كأنه زائرٌ ملكي طال انتظاره، لا يحلُّ ضيفاً عابراً بل سيداً للشهور، حاملاً في أردائه عبير المغفرة ونور الهداية الذي يغسل أدران النفوس. هو ليس مجرد إمساكٍ عن طعام وشراب، بل هو سفرٌ عميق في أغوار الروح، ورحلة استثنائية يتهذب فيها الوجدان وتسمو بها الفطرة فوق صغائر الدنيا وضجيجها. لقد كان هذا الشهر قرة عين النبي المصطفى (ص)، الذي كان يترقبه بلهفة المحب، فإذا حلَّ نسيمه كان أجود بالخير من الريح المرسلة، يخلط ليله بنهاره في عبادةٍ لا تنقطع، وجُودٍ لا ينضب، مقتفياً أثر الوحي في مدارسة القرآن. وعلى خطاه سار الصحابة الأخيار، الذين كانت قلوبهم تخفق شوقاً لرمضان قبل قدومه بشهور، فإذا أقبل رأيت فيهم رهباناً بالليل وفرساناً بالنهار، تضجُّ بيوتهم بدويّ القرآن كدويّ النحل، ويعتزلون فضول الكلام ليتفرغوا لمناجاة الخالق، محولين صيامهم إلى مدرسةٍ من الصبر والسمو الأخلاقي. وفي ظلال هذا الشهر، تكتسي الدنيا حلة من الوقار وتنساب السكينة في الطرقات، فتبدأ الأيام ببهجة السحور حيث يمتزج صمت الليل بدعوات الخاشعين، وتنتهي بلهفة الإفطار التي تجسد أجمل معاني الشكر والامتنان. أما لياليه، فلها في القلوب منزلة لا تدانيها منزلة؛ حيث تصدح المآذن بآيات الذكر الحكيم، وتجتمع الأجساد والقلوب في صلاة التراويح في مشهد إيماني مهيب تتلاشى فيه الفوارق ويصبح الجميع أمام جلال الخالق سواء. وفي هذا الفضاء النوراني، يشعر الناس برقة في القلوب لم يعهدوها، فتضيق فجوات الخلاف وتتسع مساحات التسامح، وكأن رمضان طاقة عجيبة لترميم ما انكسر من العلاقات الإنسانية وصياغة مشاعر الود في قوالب من التقوى والإخلاص. إن الغاية الكبرى تتبدى في قوله تعالى: (لعلكم تتقون)، فبالصيام يروض المؤمن لجام نفسه، وبالقرآن يستنير بصيرته، لتكون "التقوى" هي الثمرة الناضجة واليقظة الدائمة للضمير في السر والعلن. إن رمضان يأتي ليذكرنا بأننا أرواحٌ قبل أن نكون أجساداً، وأن السعادة الحقيقية تكمن في العودة إلى الله والتمسك بحبل هداه، فما أجملها من أيام يختلط فيها تعب الصيام بحلاوة القبول، وتشرق فيها الروح بنورٍ سماوي لا ينطفئ.




