في شهرٍ تتجلّى فيه القيم، وتصفو فيه النفوس، نفتح صفحات من نور لنستحضر سِيَر شخصياتٍ مكيةٍ صنعت أثرها بهدوء، وعملت بإخلاص، وخدمت مكة المكرمة وأهلها وقاصديها من حجاجٍ ومعتمرين، دون أن تبحث عن مالٍ يُجنى أو منصبٍ يُنال، بل جعلت من خدمة أقدس البقاع هدفًا ساميًا، اقتداءً بمؤسس هذه الدولة المباركة وأبنائه الملوك البررة – رحمهم الله جميعًا – الذين جعلوا خدمة أم القرى وضيوف الرحمن شرفًا ومسؤولية.
وأنا أقلب صفحات كتب تاريخ مكة المكرمة ، أوقفتني أسماء لشخصيات برزت وعملت بجد واجتهاد لخدمة مكة المكرمة وأهلها وقاصديها من حجاج ومعتمرين ، شخصيات لم تسع للبحث عن مال تجنيه أو منصب تصل إليه ، لكن هدفها انصب على خدمة أقدس البقاع مقتدين بمؤسس المملكة وأبناؤه الملوك البررة يرحمهم الله جميعا ، الذين جعلوا خدمة أم القرى وقاصديها هدف سام يسعون لتحقيقه دون النظر لمكسب مالي أو معنوي .
وطوال أيام شهر رمضان المبارك ، أدون بهذه الزاوية سيرا لشخصيات تركت بصمات واضحة في ذاكرة التاريخ لتروي للأجيال قصصا تحكي إنجازات تحققت بالإصرار والعزيمة .
وفي زاوية شخصيات مكية لهذا اليوم ، أتحدث عن السيد أمين بن عقيل العطاس ـ رحمه الله ـ المولود بمكة المكرمة عام ١٣٥٤هـ ، وخريج مدارس الفلاح ـ القسم الأدبي ـ بمكة المكرمة ، وأحد السبعة طلاب الذين تم اختيارهم للالتحاق بمدرسة تحضير البعثات .
وخلال لقائي به عام 1414 هـ تمكنت من إجراء حوار صحفي نشر بجريدة النـدوة تعرفت من خلاله على نشأته وحياته ، وعرفت أنه من سكان حي المسفلة ، إذ كان دارهم في أوائل المسيال على الشارع العام ، وترك موقع منزلهم أثرا في ذاكرته خاصة أثناء هطول الامطار ، إذ قال: " كان بيتنا على المسيال على الشارع العام وكنا نجلس في المقعد ونشاهد السيل وهو يجرف السيارات ، وقد شاهدته وهو يجرف سيارة نقل كبيرة " لوري " ولم يكن في استطاعتنا أن نفعل شيئا حيث لم تكن توجد مصارف لمياه السيول بل أكثر من ذلك أن الشخص الذي كان يجرفه السيل لا يستطيع أحد أن يتقدم لإنقاذه خوفا من الهلاك " .
وحينما سألته عن بداية مشواره ونشأته ومسيرة تعليمه وما صادفها من مواقف وذكريات ؟
رد قائلا : " أنا أعتبر نفسي من الجيل الذي شهد مراحل تطور المملكة مرحلة بعد أخرى منذ أن كنت في المرحلة الابتدائية ، وكانت الحياة بسيطرة ولم تكن الكهرباء قد وجدت بعد وكنا نذاكر في بيوتنا على الفانوس والقمرية والإتريك ــ ثم بدأت المرحلة الانتقالية للحياة العصرية بمولد الكهرباء الذي جلبه الشيخ عبدالله كعكي في المسفلة حيث كنا نسكن وكان ذلك اليوم بمثابة يوم عيد بالنسبة لسكان الحي وأذكر أن المسجد الحرام كان له مولد كهرباء خاص به في أجياد ، ثم توالت النقلات الحضارية حتى وصلنا إلى ما نعيشه اليوم من نقلات في مختلف المجالات بفضل ما أنعم الله به على بلادنا من خيرات سخرتها حكومتنا الرشيدة واستثمرتها الاستثمار الأمثل للنهوض بمستوى المعيشة وتحقيق الرفاهية للمواطنين من خلال كل هذه الانجازات التي يضيق بنا المجال هنا لحصرها " .
وقد بدأ حياته العملية موظفا في مؤسسة النقد العربي السعودي (البنك المركزي) ـ حاليا ـ ، ثم مُحاسبا في مصلحة الزكاة والدخل ، فرئيسًا لقسم الشركات في مصلحة الزكاة والدخل ، ليترقى بعدها لمنصب نائب رئيس مصلحة الزكاة والدخل ، ثم أصبح مديرًا لمصلحة الزكاة والدخل ، وقد شغل هذا المنصب خلال الفترة من ١٣٨٨- ١٣٩١ هـ .
ثم انتقل للعمل كأستاذ لمادة المحاسبة بجامعة الملك عبدالعزيز الأهلية، بكلية الاقتصاد والإدارة.
وصدر قرار من مجلس الوزراء بتعيينه وكيلاً لوزارة الحج والأوقاف لشؤون الأوقاف ، وظل شاغلا لهذا المنصب للفترة من عام ١٣٩١هـ ـــ عام ١٤٠٣ هـ.
فيصدر بعد ذلك الأمر الملكي بإعارة خدماته لرابطة العالم الإسلامي، ليشغل منصب الأمين العام المساعد للشؤون الإدارية والمالية والتي ظل بها خلال الفترة من عام ١٤٠٣هـ حتى ١٤١٩هـ.
ولعب السيد أمين عطاس ـ يرحمه الله ـ دورا في إنشاء جمعية خيرية في مكة المكرمة وكان ذلك عام 1391 هــ وكان المؤسسون معه الدكتور حامد هرساني ، وعبدالله عاشور ، وإسماعيل دهلوي ، وعبدالله طه بخش ، والشيخ صالح جمال .
وبرز دوره في إنشاء مبنى مدارس الفلاح الحالي ، فبدعم من الشيخ إبراهيم الجفالى ـ يرحمه الله ـ تم شراء ساحة إسلام من ورثة إبراهيم اسلام ، بثلاثة وثلاثين مليون ، وأخذ من ورثة إبراهيم اسلام نص مليون ريال من هذا المبلغ كتبرع لبناء المدرسة وسلمها للشيخ اسحاق عزوز كأول تبرع لبناء المدرسة ، كما تبرع الشيخ صالح كامل ، بثلاثة ملايين ، وتبرع الشيخ إبراهيم الجفالي ـ يرحمه الله ـ بمبلغ ثلاثين مليون لبناء المدرسة ، لتنهال بعد ذلك التبرعات من كل حدب وصوب .
وعن التبرعات قال رحمه الله : " قبل تبرع الشيخ إبراهيم الجفالي بمبلغ ثلاثين مليون ، قلت للسيد إسحاق عزوز أقل عطاء بمبلغ 46 مليون ريال بالإضافة إلى أربعة ملايين للاستشاري تصميما وإشرافا ـ يعني إجمالي المبلغ خمسين مليون ريال ، فكيف تتعاقد بستة واربعين مليون وانت ليس لديك سوى ثلاثة ملايين ونصف ؟
فقال لي : إما تسكت وتتفرج ، وإما تغبر رجلك وتجمع .
فرددت عليه قائلا : أغبر رجلي
وختم السيد امين عطاس كلماته بقوله : أنه لم يطلب المقاول مستخلصا إلا وكانت قيمته جاهزة .
وفي مساء يوم الثلاثاء العشرون من رجب 1435 هــ ، انتقل وختم السيد امين عطاس إلى رحمة الله تعالي ، بعد رحلة مليئة بالعلم والعمل ، وأوديت الصلاة على جثمانه عقب صلاة مغرب ، ودفن بمقبرة المعلاة .
رحمه الله وأسكنه فسيح جناته وجزاءه الله خير الجزاء على ماقدم

ـــــــــــــ
للتواصل :
ahmad.s.a@hotmail.com
ashalabi1380@




