في شهرٍ تتجلّى فيه القيم، وتصفو فيه النفوس، نفتح صفحات من نور لنستحضر سِيَر شخصياتٍ مكيةٍ صنعت أثرها بهدوء، وعملت بإخلاص، وخدمت مكة المكرمة وأهلها وقاصديها من حجاجٍ ومعتمرين، دون أن تبحث عن مالٍ يُجنى أو منصبٍ يُنال، بل جعلت من خدمة أقدس البقاع هدفًا ساميًا، اقتداءً بمؤسس هذه الدولة المباركة وأبنائه الملوك البررة – رحمهم الله جميعًا – الذين جعلوا خدمة أم القرى وضيوف الرحمن شرفًا ومسؤولية.
وأنا أقلب صفحات كتب تاريخ مكة المكرمة ، أوقفتني أسماء لشخصيات برزت وعملت بجد واجتهاد لخدمة مكة المكرمة وأهلها وقاصديها من حجاج ومعتمرين ، شخصيات لم تسع للبحث عن مال تجنيه أو منصب تصل إليه ، لكن هدفها انصب على خدمة أقدس البقاع مقتدين بمؤسس المملكة وأبناؤه الملوك البررة يرحمهم الله جميعا ، الذين جعلوا خدمة أم القرى وقاصديها هدف سام يسعون لتحقيقه دون النظر لمكسب مالي أو معنوي .
وطوال أيام شهر رمضان المبارك ، أدون بهذه الزاوية سيرا لشخصيات تركت بضمات واضحة في ذاكرة التاريخ تروي للأجيال قصصا تحكي إنجازات تحققت بالإصرار والعزيمة .
وفي زاوية شخصيات مكية لهذا اليوم ، أتحدث عن رجل الأعمال ، المولود في مكة المكرمة في التاسع عشر من شوال عام 1343 هـــ ، والذي سعدت بالالتقاء به في حوار صحفي نشر عام 1414 هــ بجريدة النـدوة .
ولأنه من مكة المكرمة بها ولد وتنشأ وترعرع ، فقد كان محور حديثي معه ـ آنذاك ـ عن البيئة التي نشأ فيها .
فقال ـ يرحمه الله ـ : " كان والدي ـ رحمه الله ـ من التجار الناجحين في مكة ، ولكنه ترك التجارة لأسباب خاصة ، كان تاجر بمعني الكلمة ، يتاجر في الأراضي ، ولذلك فكل الأراضي التي تركها في مواقع ممتازة ، كما انه كان يتاجر في الأقمشة ، وفي كل شيء .
وأذكر أنني عندما شرعت بفتح محلي نصحني والدي قائلا : " اشتر بخمسة وبع بخمسة .. والبركة بين الخمستين " ، وكان ينصحني بالصلاة في أوقاتها ، ويقول : " عجلوا بالصلاة قبل الفوت ، وبالتوبة قبل الموت : فالصلاة كانت لها أهمية قصوى عنده ، ولم يكن ـ رحمه الله ـ يسهر إلا في بيته وله عدد محدد من الأصدقاء وجميعهم طيبون " .
أما بداية الشيخ حسين قزاز ـ يرحمه الله ـ مع العمل فكانت كما قال : بعد أن ترك الدراسة ، وكان له هدفان الزواج وفتح محل ، لكن والده رفض ، وأرسل له الشيخ صالح شطا ـ يرحمه الله ـ والشيخ صالح قزاز والشيخ علوي المالكي وغيرهم ، لإقناعه بأهمية اكمال دراسته ، لكنه أصر على موقفه ، فرفض والده أن يفتح له محل ، لأنه كان يريد لي الاستمرار في الدراسة ، وعمل مع الشيخ صالح قزاز ، لكن للأسف لم يستمر عمله معه سوى سنتين ، وكان يأخذ مصروفه من والدته .
وواصل الشيخ حسين قزاز ـ يرحمه الله ـ قائلا : " وفي الآخر عدت إلى الوالد وساعدني في فتح محل في باب زيادة ، وكان دكانا مهجورا ، لكنه لم يساعدني بالمال ، فقط أعطاني بضاعة قديمة ، عبارة عن فصوص عقيق للخواتم النحاسية ، وشرائط للشعر ودانتيلات ومكاوي بالفحم .
وبواقي بضائع أخرى وبعد ذلك اشترى لي تشكيلة أقمشة من عم عبدالله عطار رحمه الله ثم حصلت على تموين من الشيخ على باحمدين رحمه الله ، وهو عبارة عن تشكيلة صغيرة من البضائع ، ثم بدأت علاقتي بالعطور " .
أما بدايته مع العطور فكانت كما قال لي من خلال دكان صغير ساعده والده على افتتاحه ، وبدأت علاقته بالعطور بصناعة " " الفازلين " بالزيت والشمع ، لكنني لم اكن أصنع العطور ، وكنت أشتري " القوارير " الكبيرة من سوق الكولونيا ، وأشتري الحراج القوارير الصغيرة ، واقوم بتعبئتها وبيعها وكانت هذه بداية علاقتي بالعطور ، أشتري العبوات الكبيرة من السوق المحلي ، وأبيعها في عبوات صغيرة .
ثم جاءت البضائع المصرية من العطور ، فكان يشتري من ياسين ألفي بالجملة ، كما كان الدلالون يأتون الينا ببضائعهم وكنت أخذ في حدود قدرتي المالية ، حبتين أو ثلاثة ، وكان يرفض أن يأخذ من الدلالين بالدرزن أو اثنين بالآجل ، فقد تعود أن يدفع ثمن بضاعته عن الاستلام .
وعن تعامله مع الشركات الأجنبية ، قال ـ رحمه الله ـ " كان وهو في سن 16 ــ 17 سنة وكان السفير والقنصل الفرنسيان مسلمين ، وكانا يحضران إلى مكة المكرمة ، وفي أحد الأيام وقفا على دكاني ، وكان معهما الشيخ حامد مرداد رحمه الله ـ فتعرقت عليهم ، وصرت أعرفهم كل جمعة ، وسألتهم كيف أتصل بالشركات الفرنسية ، فأعطوني عناوين ، وكتبوا لي خطابا باللغة الفرنسية ، لكنني بعد ذلك اعتمد في كتابة مثل هذه الخطابات على زوجتي ، فهي تجيد اللغة الفرنسية ، درستها في صغرها ، واهتمت بتعلمها حتى أصبحت اليوم تتكلم الفرنسية مثل الفرنسيين ، وكأحسن من أي عربي يتكلم الفرنسية ، وهي تحب القراءة ، ولا تترك صحيفة عربية لا تقرأها " .
والحديث عن حسين بكري قزاز ـ يرحمه الله ـ ونشاطه الذي بدا من دكان صغير في مكة المكرمة إلى شركة تحمل علامة مميزة عرفت تجاريا ببيوت " قزاز " غطت فروعها المدن السعودية .
وبعد رحلة عمل شاقة ، مليئة بالصبر والكفاح لتحقيق الأهداف توفي الشيخ حسين بكري قزاز صباح يوم الخميس ٢٢/٥/١٤٤٢ الموافق ٧/١/٢٠٢١ ، ودفن بمكة المكرمة .

ـــــــــــ
للتواصل :
ahmad.s.a@hotmail.com
ashalabi1380@




