في زمنٍ أصبحت فيه المنشآت الحديثة والمضامير المطاطية معيار النجاح الرياضي، وقف المدرب الوطني يوسف الشايب أمام واقع مختلف؛ واقعٌ تغيب فيه الإمكانات وتحضر فيه الأحلام الكبيرة. لم ينتظر الدعم، ولم يعلّق الطموح على شماعة الظروف، بل قرر أن يصنع بيئته الرياضية بيده… فكانت البداية من الأرض، من مضمارٍ ترابي بسيط، تحوّل إلى مصنع أبطال.
لم أقف مكتوف الأيدي أمام شحّ الإمكانات، بل بادرت بصناعة مضمار ترابي يؤدي الغرض التدريبي، وجهّزت بما يحتاجه لاعب ألعاب القوى من أساسيات؛ فأنشأت حفرة للوثب الطويل والثلاثي، وأقمت دوائر للرمي، وصنعت بيئة تدريبية متكاملة رغم بساطتها. ولم اتوقف عند هذا الحد، بل زرت أحد مصانع الإسفنج ليصنع مرتبة للوثب العالي بمواصفات قريبة من المراتب باهظة الثمن، ليؤمّن للاعبيه عنصر الأمان ويكمل منظومة التدريب بشكل احترافي.
هذه المبادرة لم تكن مجرد اجتهاد شخصي، بل كانت حجر الأساس لنهضة حقيقية في نادي نادي الصواب الرياضي، حيث أسهم المضمار الترابي في تخريج عدة أبطال على مستوى المملكة. ثم تكررت التجربة في نادي القارة السعودي، حين أسست اللعبة – ولله الحمد – من الصفر، ووصل بالناديين إلى الدوري الممتاز، في قصة نجاح تُروى للأجيال.
ومن رحم تلك المضامير الترابية خرج أبطال دوليون رفعوا اسم الوطن عالياً، من أبرزهم إبراهيم الحميدي الحاصل على برونزية العالم للشباب، إلى جانب وليد الحمد، ومرتضى الحمد، وعلي الحمد، وإسماعيل الحميدي، وصادق الحمد، وعلي المهوس، وغيرهم من النجوم الذين صقلتهم الإرادة قبل الأدوات.
وما زالت هذه المضامير تنبض بالعطاء، فتخرج جيلاً بعد جيل؛ من بينهم الناشئ الحر السويلم بطل المملكة في الوثب الطويل، والشبل مهدي الحراشي صاحب المركز الثاني في الوثب العالي، وغيرهم من الأبطال الذين تشكلت موهبتهم على أرضٍ ترابية صنعتها يد مدرب آمن أن البدايات البسيطة لا تعني نتائج بسيطة.
إنها رسالة واضحة بأن التحديات لا تُعيق من يملك الشغف، وأن الإمكانات قد تُصنع إذا غابت، وأن الإرادة أقوى من كل العوائق. يقدم يوسف الشايب نموذجاً وطنياً مشرفاً في العطاء لأجل ألعاب القوى السعودية، ويؤكد أن صناعة البطل تبدأ بفكرة، ثم بخطوة، ثم بإيمان لا يتزعزع.
واليوم، يبدي المدرب يوسف الشايب استعداده لنقل فكرة إنشاء المضامير الترابية إلى أي نادٍ يرغب في تبنيها، إيماناً منه برسالة نشر رياضة ألعاب القوى في الأندية السعودية، وسعياً لتوسيع قاعدة الممارسة واكتشاف المواهب في مختلف المناطق.
إنها قصة قهر المستحيل، وصناعة الأمل من أبسط الأدوات… قصة تؤكد أن الأرض الترابية قد تكون أحياناً الطريق الأقصر إلى منصات التتويج




