وأنا أتصفّح النسخة الأخيرة من مسودة كتاب “سفراء الوطن… نماء وعطاء” قبيل اعتماده للطباعة، وبالتزامن مع اليوم العالمي للمرشدين السياحيين لهذا العام، توقّفتُ طويلاً عند عددٍ من السير المضيئة التي تزخر بها صفحات الكتاب. غير أن هذه القراءة أخذتني في رحلة مختلفة؛ رحلةٌ انتقلت بي من محافظة جدة بعد قراءة سيرتي (قمصاني) و(النفيعي) إلى العاصمة المقدسة، لأتأمل معكم سِيَر مرشديها، أولئك الذين شكّلوا بجهودهم ووعيهم صورةً مشرّفة للإرشاد السياحي في أم القرى.
ورغم أن جميعهم يتميّزون بالكفاءة والعطاء، فإن سيرةً بعينها فرضت حضورها، واستحقت أن تُوضَع في ميزان القارئ الكريم؛ لتقف في كفّةٍ وازنة من كِفَف مرشدي مكة المكرمة، بوصفها سيرةَ قامةٍ علمية ومهنية، هو الأستاذ فوزي بن سعد المطرفي.
ففي مكة المكرمة، حيث تتقاطع المعرفة مع النور، نشأ ( المطرفي) ليحمل روح المدينة في العمل والخدمة والعطاء. منذ بداياته الأولى، كان التعليم بوابته إلى المجتمع، فعاد إليه معلماً للغة العربية لمدة ستة عشر عاماً، معلماً أجيالاً وناشراً للكلمة والحضور والوعي.
لم يكن مساره في التعليم مجرد وظيفة، بل منصة انطلق منها نحو مجالات أوسع. تقلد مسؤوليات إدارية قيادية أثبت فيها بصمته؛ فكان مساعد مدير إدارة النشاط الطلابي ورئيس قسم النشاط الاجتماعي، ثم مدير مركز التميز بإدارة تعليم مكة، ورئيس وحدات التدريب والتطوير والمواطنة والسلوك والانضباط، ومهندس برامج مجتمعية ومسرحية على مستوى المنطقة.
عبر تجربة امتدت وتنوعت، حمل المطرفي همّ المجتمع واستطاع أن يضع قدمه في ميدان التمكين المجتمعي، ليصبح مستشاراً معتمداً لجهات تعمل على بث الروح التطوعية وتحريك الطاقات الشبابية. كما أسهم في تقييم الأداء المؤسسي والإشرافي لصالح جهات حكومية وخدمية، من بينها هيئة السياحة، الأمر الذي عزز ارتباطه المباشر بمجال الإرشاد.
انفتح المطرفي على الإعلام والتنظيم؛ فأسس مركزاً للتصوير والتواصل الإعلامي وأشرف عليه، وفي الوقت نفسه كان مدرباً معتمداً في الإرشاد السياحي والتعليم والتميز القيادي، يجمع بين الصوت والمعنى، وبين الأدوات وأساليب التأثير.
وخلال مواسم الحج، ظهرت قوته الميدانية؛ فتولى قيادة فريق “هديّ الحرام” لخدمة ضيوف الرحمن على امتداد موسمي الحج 1444هـ و1445هـ، مجسداً النموذج الذي يربط القول بالفعل، والرؤية بالأثر.
كما اتسع حضوره في المجتمع عبر عضويات مؤثرة؛ فهو عضو في الاتحاد العربي، وعضو مجلس الجمعية السعودية للإرشاد السياحي، وعضو مجلس التطوير الإداري بتعليم مكة، وعضو مؤسس ورئيس تنفيذي لنادي الإرشاد السياحي بمكة، إضافة إلى أدواره القيادية في لجنة شباب مكة، ولجان ملتقى مكة الثقافي، واللجان التنفيذية لبرامج الحج وجائزة مكة للتميز.
أما فكره ومنتجه المكتوب، فقد تجسد في أعمال مطبوعة تركت أثراً؛ أهمها:
كتاب “صور وعبارات وقيم” (2009م)، الذي اعتُمد نموذجاً تربوياً لدى جمعية الوفاء.
دليل برنامج “هدي الحرام” للتمكين القيادي في خدمة الحجيج.
كتاب “التطوع في حياة المعلم”، الذي قدم فيه رؤية أدبية حول قيمة العطاء.
إسهامه كمستشار ومصمم لدليل قيم الحج وخدمة الحاج للمراكز التدريبية.
دليل برنامج “قيم مكة” الذي صاغه لتعزيز ثقافة الإرشاد السياحي وخدمة الضيف.
بهذه التجربة المتراكمة، يمثل فوزي المطرفي نموذجاً للمرشد الذي جمع بين قلب مكة وفكرها؛ قائد تربوي، مدرب، إداري، وميداني يترجم قيم الضيافة بأفعال، ويصنع في كل محطة بصمة تبقى في ذاكرة المكان والناس.

ـــــــــــــــــ
*قراء من مسودة كتاب



