هناك خوف لا يُرى بالعين، لكنه يضغط على الصدر كصخرة ثقيلة؛ ليس خوف المرض أو الموت، بل خوف انقطاع الراتب، وأن تستيقظ ذات صباح فتجد أن اسمك لم يعد في كشوفات الموظفين، وأن الأمان الذي بنيته عبر سنوات قد تبخر في رسالة قصيرة باردة. الإنسان لا يخاف الفقر وحده، بل يخاف اهتزاز صورته أمام نفسه: صورة القادر، والمستقر، والممسك بزمام أيامه. وحين تهتز هذه الصورة، يشعر كأن الأرض انسحبت من تحته.
لكن ماذا لو لم يكن ما حدث سقوطا، بل كشفا؟ ففي الهندسة يُخضع الجسر لاختبار إجهاد لتظهر نقاط ضعفه. كذلك القلب في زمن الرخاء؛ يكون التوكل سهلا حين تسير الأسباب بانتظام، وينزل الراتب في موعده. أما حين تتعطل الأسباب، يبدأ الامتحان الحقيقي.
الأزمة المالية لا تكشف ضعف الحسابات فقط، بل تكشف هشاشة اليقين؛ فهي تسحب الوسائد الناعمة التي كان الإنسان يستند إليها، لتكشف ما إذا كان في داخله عمود ثابت، أم فراغ مزين. ولهذا قال ابن القيم إن البلاء يمحص العبد، فيظهر صدقه من دعواه؛ فكم من إنسان يظن في نفسه قوة، حتى يختبره الفقد، فيكشف عمق تعلقه بالأسباب، لا بالرزاق.
ويؤكد علم النفس الحديث هذا المعنى؛ فقد أشار فيكتور فرانكل إلى أن الإنسان لا ينهار بسبب الألم ذاته، بل بسبب فقدان المعنى؛ فالمحنة تتحول إلى قوة داخلية حين يمنحها الإنسان معنى أعمق من كونها كارثة عابرة.
وليس غريبا أن تكشف الأزمات المالية عن هشاشة النفس البشرية أمام الضغط المادي؛ فقد سجلت دراسات طبية واجتماعية أن بعض من تعرضوا لخسائر مالية كبيرة في البورصات أصيبوا باضطرابات نفسية حادة، بل إن بعضهم تعرض لجلطات أو نوبات قلبية نتيجة الصدمة المفاجئة، خاصة حين ترتبط الهوية النفسية بالمكاسب المالية، فتتحول الخسارة إلى ضغط عصبي يضرب الجسد والنفس معا؛ لذلك يؤكد الأطباء أن التوازن النفسي أثناء الأزمات لا يقل أهمية عن التخطيط المالي.
كما أن الأزمة لا تقتصر على البعد النفسي فقط، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي؛ حيث أعادت بعض أنماط التفكير المجتمعي ربط القيمة الإنسانية بالوظيفة والدخل، فيشعر من ينقطع راتبه أحيانا بعزلة قاسية، وكأن الكرامة مرتبطة بانتظام الدخل، لا بإنسانية الإنسان. ويشتد هذا الإحساس حين يتقاعد الموظف أو تنتهي فترة تكليفه بمنصب إداري كان يشكل جزءا كبيرا من حضوره الاجتماعي؛ فبمجرد أن يغادر مكتبه ويسلم صلاحياته، تتغير نظرة بعض الناس إليه، ويتبدل إيقاع التعامل معه، وكأن القيمة كانت معلقة بالكرسي لا بالشخص، وقد ينسحب هذا التغير إلى داخله هو أيضا، فيبدأ بمراجعة صورته عن نفسه، ويشعر بأنه خرج من دائرة التأثير بعد أن كان في مركزها، فيصيبه شيء من الاكتئاب ويميل إلى العزلة والابتعاد عن الناس، مع أن الذي انتهى في الحقيقة هو الدور الوظيفي لا القيمة الإنسانية، وأن المكانة الحقيقية لا يمنحها المنصب بل يصنعها أثر الإنسان وخبرته وحكمته.
إلى جانب ذلك، تظل مواجهة الأزمة بواقعية شرطا أساسيا؛ فالحكمة لا تعني الاستسلام للقلق، بل إدارة الحياة بعقلانية عبر تقليل المصروفات غير الضرورية، وتنويع مصادر الدخل، وتطوير المهارات، مع الحفاظ على الصحة النفسية وعدم العزلة؛ فالسعي مع اليقين بأن الرزق ليس بباب واحد يجعل الإنسان أكثر هدوءا وثباتا أمام العواصف.
وفي العمق الروحي، يتعلم الإنسان أن يعمل كأن كل شيء يعتمد عليه، وأن يتوكل كأن كل شيء بيد الله. ثم تأتي لحظة هادئة داخل القلب، يقول فيها: يا رب، إن كان هذا المنع خيرا لي فاجعلني أرضى، وإن كان الفرج قريبا فاجعلني أشكر. عندها قد لا تتغير الظروف بسرعة، لكن الإنسان نفسه يتغير؛ فيصبح أقل تعلقا، وأكثر وعيا، وأشد صلابة أمام العاصفة، لأن الأمان الحقيقي لا يصنعه حساب بنكي، بل يصنعه قلب وجد معناه، فهدأ حتى وهو في قلب الخوف.




