العمل الخيري من شيم العظماء، وقديمًا ارتبط الكرم بأسماء خالدة مثل حاتم الطائي، الذي ذبح فرسه إكرامًا لضيوفه. وضيف هذا الحوار عُرف هو الآخر بخصال الكرم والشهامة، حتى أصبح بيته مقصدًا لكل من قصده، وعُرف بين الناس بــ”بيت الضيوف” ، إنه ابن مدينة بريكة العريقة، سفير السياحة الجزائرية لخضر مباركي، الذي فتح بيته وقلبه للناس، وجعل من العطاء أسلوب حياة.
*بدايةً، حدثنا عن بداياتك الفعلية في الرياضة، متى كانت؟
بدايتي كانت من مرحلة الدراسة بمتوسطة الشهيد عبد العالي بن بعطوش، حيث شاركت في العديد من البطولات المدرسية والمحلية. لاحظ أستاذا التربية البدنية، بن يحيى الربيع ومزغيش رشيد، قدرتي على التحمل والانضباط، فشجعاني على مواصلة المشوار والمنافسة على مستوى الولاية ثم المستوى الوطني. تميّزت في سباقات المسافات المتوسطة والطويلة، وتُوّجت بطلًا للجزائر آنذاك في الرياضة المدرسية اختصاص الجري.
وخلال فترة الخدمة العسكرية، واصلت نشاطي في رياضة الجري ضمن الفريق العسكري، وحققت نتائج مشرّفة في سباقات العدو ونصف الماراثون. أحرزت ثلاث بطولات وطنية في العدو الريفي العسكري، وثلاث بطولات وطنية في نصف الماراثون العسكري، كما تُوّجت بطلًا للجزائر بين الوحدات، وشاركت في السباق الدولي الأول للمدرسة العسكرية للتربية البدنية والرياضة
École Militaire d’Éducation Physique et des Sports (EMEPS)، إضافة إلى عدة مشاركات عسكرية أخرى باسم المدرسة.
بعد إنهاء الخدمة العسكرية مباشرة، انتقلت إلى فرنسا، وانضممت إلى نادي لألعاب القوى بمدينة ليون، حيث شاركت في سباقات رسمية وحققت نتائج مهمة منحتني تجربة دولية مبكرة مقارنة بالكثير من عدائي جيلي. وبعد ست سنوات مع فريق ليون الفرنسي، عدت لخدمة الرياضة الجزائرية من الجانب التسييري، وأسست ناديًا رياضيًا تحت تسمية «نادي الكرامة بريكة». وخلال ثلاث سنوات فقط، أصبح النادي من بين أفضل ثلاثة أندية في الجزائر في اختصاص نصف الماراثون، وتُوّج بالمرتبة الثالثة وطنيًا سنة 2015 بمدينة تبسة بعد الفريق الوطني العسكري وفريق برج بوعريريج.
ومنذ صغري إلى يومنا هذا، كنت ولا أزال مناصرًا وفيًا للمنتخب الوطني الجزائري داخل الوطن وخارجه، أحمل الألوان الوطنية بكل فخر. هذا الشغف دفعني إلى جمع الرايات الوطنية بمختلف أحجامها، حتى تجاوز عددها خمسة آلاف راية، لأصبح صاحب أكبر عدد من الأعلام الوطنية في الجزائر.
*ومتى كانت بدايتك مع العمل الخيري والتطوعي؟
بداية عملي الخيري والتطوعي كانت امتدادًا لمسار والدي – رحمه الله- ، وجاءت نتيجة للبيئة التي نشأت فيها وحبي الكبير للضيوف وللعمل الخيري، رغم الظروف الصعبة وفقر العائلة آنذاك. وقد زادني إصرارًا دعاء والدي قبل وفاته بقليل حين قال لي: “ربي يجعل دارك ديما عامرة”. وكانت تلك الكلمات وصية ودعاءً أحمله في قلبي إلى اليوم.
وبفضل الله، أصبح بيتي مقصدًا لأكثر من 40 ألف ضيف من مختلف مناطق الوطن ومن 17 دولة خارج الجزائر. وبدل أن أحتفظ بالمنزل كمكان عادي للسكن، أضفت له مساحة مفتوحة لاستقبال الضيوف من داخل الوطن وخارجه.
لقد زار بيتي أكثر من 40 ألف ضيف من مختلف الفئات الاجتماعية: أيتام، فقراء، رياضيون، علماء، ومن جميع المستويات. وبنيت داخل المنزل خيمة كبيرة تتسع لأكثر من 100 شخص، ومتحفًا تقليديًا، وحديقة، ومتحفًا رياضيًا يجمع مختلف الرياضات الوطنية، وكل هذا مفتوح للزوار، ليقدّم صورة جميلة عن مدينة بريكة وضيوف الفرق الرياضية والمبدعين.
كما نظمت فعاليات رمضانية مثل إفطار جماعي لعمال النظافة في بريكة، وهو تقليد أستمر عليه كل رمضان، إضافة إلى دعم مبادرات مجتمعية، وتكريم المبدعين والمحسنين، والمشاركة في عروض واحتفالات رياضية وثقافية.
*هل مررت بتجارب غرست فيك روح الكرم والجود؟
نشأتي في بيئة اجتماعية محافظة على قيم الضيافة غرست فيّ روح الجود والعطاء. ثقافتنا في بريكة تقوم على النخوة والتكافل، وتقدّس الضيف وتعتبر إكرامه واجبًا أخلاقيًا قبل أن يكون اجتماعيًا، وهذا ما ترسّخ في داخلي منذ الصغر.
*كيف تصف مدينة بريكة؟ وماذا تمثل لك؟
بريكة بالنسبة لي أكثر من مجرد مدينة وُلدت وعشت فيها؛ هي هويتي وانتمائي، وهي الرسالة التي اخترت أن أخدمها. منها أستمد قيم إكرام الضيف والتكافل الاجتماعي. أراها البيت الكبير الذي أخدمه، والهوية التي أعتز بها، والرسالة التي أكرّس لها جهدي ووقتي بدافع المحبة والانتماء الصادق.
*هل ترى أن العمل التطوعي تطور ليلبي مقتضيات العصر؟
نعم، العمل التطوعي تطوّر كثيرًا، ولم يعد يقتصر على الأساليب التقليدية، بل أصبح أكثر تنظيمًا وتأثيرًا، خاصة مع وسائل التواصل الاجتماعي التي سهّلت التعريف بالحالات الإنسانية بسرعة وفعالية، ووسّعت نطاق التضامن ليصل إلى خارج الحدود الجغرافية.
*المجتمع المدني يشهد نموًا… أين موقعك في هذا الحراك؟
بحكم علاقاتي الواسعة في مدينة بريكة، قد أكون عنصر ربط بين المبادرات الفردية والجمعيات والفاعلين في المجتمع إذا طُلب مني ذلك. نمو المجتمع المدني يفتح المجال لتحويل الجهود الفردية إلى عمل منظم وفعّال يخدم المصلحة العامة.
*لو عُرض عليك منصب في المرصد الوطني للمجتمع المدني، ما التغيير الذي ستُحدثه؟
أرى أن هذا المنصب… المرصد الوطني للمجتمع المدني… أكبر مني.
*فتحت بيتك للضيوف… ما شعورك تجاه ذلك؟
فتح بيتي للضيوف لم يكن يومًا عبئًا عليّ، بل هو مصدر سعادتي الحقيقية. حضور الناس في بيتي ومشاركتهم الطعام والحديث يمنحني إحساسًا عميقًا بالبركة والرضا. بيتي صورة مصغّرة عن مدينة بريكة، فالضيف أمانة وإكرامه مسؤولية أخلاقية.
*تلقيت تكريمات عديدة، كيف كان شعورك؟
التكريم ليس غاية بحد ذاته، بل حافز للاستمرار في خدمة مدينة بريكة، وهو يعكس صورة المدينة وأصالتها قبل أن يعكس جهدي الشخصي.
*ما طموحك؟
طموحي أن تصبح بريكة نموذجًا للإنسانية والتضامن، ليس في المنطقة فقط، بل في الجزائر كلها بإذن الله.
*أنت شخصية مؤثرة اجتماعيًا… هل فكرت في دخول السياسة؟
لا أنوي دخول السياسة إطلاقًا، وأؤكد أنني لا أنتمي لأي جهة أو جمعية.
*ماذا يمثل لك الوطن؟
الوطن هو الجذر الذي نشأت فيه، والقيم التي تعلمتها منذ الصغر.
*كيف تعرّف الشجاعة؟
الشجاعة هي الجرأة والمبادرة في مواجهة الصعاب، وترك أثر ملموس في المجتمع، حتى وإن تطلب ذلك جهدًا وموارد كبيرة.
*كلمة أخيرة لجمهورك؟
أتمنى أن تظل روح المحبة والجود حاضرة في كل بيت، وأن يواصل أبناء بريكة ممارسة العمل الخيري والتطوعي لنشر الخير والمحبة. كما أشكر مجلة شاهد الدولية على هذه الاستضافة الكريمة، وأتمنى لها دوام النجاح والتألق في رسالتها الإعلامية.




