وأنا أتصفّح النسخة الأخيرة من مسودة كتاب “سفراء الوطن… نماء عطاء” قبيل اعتماده للطباعة، وبالتزامن مع اليوم العالمي للمرشدين السياحيين لهذا العام2026م ، توقّفتُ طويلاً عند عددٍ من السير المضيئة التي تزخر بها صفحات الكتاب ، لأتأمل معكم مزيدا من سِيَر المرشدين، أولئك الذين شكّلوا بجهودهم ووعيهم صورةً مشرّفة للإرشاد السياحي .
ومن أولئك المرشدين السياحيين الذين يشار اليهم بالبنان الدكتور محمد عبدالله حسن العطاس ، المولود في محافظة الطائف عام 1385هـ، ونشأ في بيئةٍ مبكرة التشكّل بالثقافة والمعرفة، قبل أن تستقر به الحياة في مكة المكرمة؛ المدينة التي صقلت وعيه، ووسّعت أفقه، وربطت مسيرته المهنية بخدمة الإنسان والمكان معًا.
منذ خطواته الأولى، اتجه (العطاس) إلى العلم الأكاديمي المنهجي، فحصل على درجة الدكتوراه في إدارة الأعمال من جامعة كولومبس عام 2009م، بعد أن سبقتها درجة الماجستير في التخصص نفسه عام 2007م، فيما كانت بدايته الجامعية مع بكالوريوس المحاسبة من جامعة الملك عبدالعزيز عام 1421هـ. ولم يكتفِ بذلك، بل دعم مساره العلمي بدبلومات مهنية متخصصة في الموارد البشرية وإعداد وتطوير المدربين داخل المملكة وخارجها، إيمانًا منه بأن المعرفة التطبيقية هي عماد النجاح المستدام.
وفي موازاة التحصيل العلمي، شقّ (العطاس) طريقه بثبات في مجال التدريب والتطوير الذاتي، فكان مدربًا معتمدًا، ولايف كوتش وفق معايير الاتحاد الدولي (للكوتشين) ، وشارك في عشرات الدورات المتقدمة التي شملت الخرائط الذهنية، تطوير الذات، مهارات الإلقاء، تحليل الشخصية، الجرافولوجي، البرمجة الذهنية، التنويم الإيحائي، والتخطيط الحواري، إضافة إلى برامج تقنية ومحاسبية حديثة، ما منحه أدوات متعددة لفهم الإنسان والتأثير فيه.
أما في ميدان الإرشاد السياحي، فقد تبلورت شخصية (العطاس) المهنية بوضوح ، فهو مرشد سياحي مرخص ومعتمد من وزارة السياحة، وتدرّج في العمل المؤسسي حتى شغل منصب المشرف العام في الجمعية السعودية للإرشاد السياحي سابقًا، ثم نائب رئيس جمعية اتحاد المرشدين بمكة المكرمة، مساهمًا في تطوير المهنة، والارتقاء بممارساتها، وتعزيز حضورها النظامي والمهني.
ومع خبرته الإدارية والتنظيمية، كان حاضرًا في المهرجانات والفعاليات الوطنية الكبرى، ممثلًا لإمارة منطقة مكة المكرمة في مهرجان الجنادرية، ومشاركًا ومنظمًا في معارض السياحة والسفر، وسوق عكاظ، وفعاليات الغرف التجارية، وبرامج هيئة السياحة والتراث الوطني، إضافة إلى مشاركاته المستمرة مع الجهات الخدمية كالدفاع المدني والمرور. كما أسهم في تنظيم أعمال الحج والعمرة ومنى لعدد من الشركات، جامعًا بين الإدارة الميدانية والانضباط المؤسسي.
ويمتلك (العطاس) سجلًا زاخرًا بورش العمل المتخصصة في الإرشاد السياحي، التسويق السياحي، المسارات التاريخية، وتوظيف التقنية في التجربة السياحية، إلى جانب مشاركته في ملتقيات التنمية السياحية بالعاصمة المقدسة، ما جعله اسمًا حاضرًا في مشهد السياحة المحلية، وفاعلًا في صناعة التجربة لا مجرد ناقلٍ للمعلومة.
هكذا تتشكل سيرة ( العطاس) كمرشدٌ سياحي بعقلية أكاديمية، ومدربٌ بخبرة إنسانية، وإداريٌّ يجيد التنظيم والتخطيط، جمع بين العلم والممارسة، وبين المكان والرسالة، ليكون أحد الوجوه التي أسهمت في ترسيخ مفهوم الإرشاد السياحي بوصفه ثقافةً، وخدمةً، ومسؤولية وطنية.
ويُعرف (العطاس) بوصفه رجل تراث بامتياز، إذ يولي هذا الجانب اهتمامًا بالغًا، ويعدّ من المهتمين بالحفاظ على الموروث الحجازي الأصيل. انعكس هذا الشغف في اقتنائه لعدد من الرواشين الحجازية ومقتنيات الديكور التراثي، وكل ما يمتّ بصلة لهوية المكان وذاكرته الثقافية، حتى بات التراث جزءًا من يومياته وحضوره الاجتماعي.
ولم يتوقف اهتمامه عند حدود الاقتناء، بل تجاوزه إلى تنظيم وإقامة المعارض التراثية، والمشاركة الفاعلة في إبراز التراث الحجازي وتعريف الأجيال به، في نشاط ثقافي واضح ومؤثر، جعله اسمًا حاضرًا في هذا الميدان، وصاحب بصمة يُشهد لها.
وعلى المستوى الإنساني، يتّصف (العطاس) بـالخلق الرفيع والتواضع الجم، ويُعرف بحسن الاستقبال والعناية بالضيف، حيث فتح مجلسه الخاص (المقعد) للقاصي والداني، وجعله مساحة جامعة للحوار والتلاقي، وميدانًا لتوسيع الرقعة الاجتماعية في مكة المكرمة، عبر استضافة شخصيات وضيوف من العيار الثقيل في مجالات الثقافة والتراث والمجتمع، في صورة تعكس عمق انتمائه، وسعة أفقه، وأصالته المكية.
هو بحق صورة صادقة للرجل المكي الأصيل، أعماله تسبق اسمه، وعطاؤه شاهد حيّ يستحق الإشارة إليه بالبَنان والتوقف عنده تقديرًا واحترامًا.




