ثمة رجال لا يُقاس حضورهم بعدد المناصب التي اعتلوها، بل بعدد الأرواح التي أيقظوها، والعقول التي حرّضوها على التفكير، والقلوب التي أعادوها إلى معنى الرسالة؛ من هؤلاء يجيء اسم حسن محمد الزين؛ رجل مشى في دروب الإعلام كما يمشي الفلاسفة في أسئلة الوجود، لا يبحث عن مجد شخصي بقدر ما يفتش عن معنى، ويؤمن أنّ الكلمة مسؤولية قبل أن تكون مهنة.
يعد من أوائل السودانيين الذين نالوا درجة الدكتوراه في الإعلام، بل يشار إليه بوصفه أول سوداني يحصل على الدكتوراه في هذا التخصص، في زمن كان علم الإعلام فيه يتشكل على استحياء في محيطه العربي والإفريقي، وحين نال درجته العلمية من جامعة أوهايو لم يكن ذلك مجرد عبور أكاديمي إلى ضفة اللقب، بل انتقال إلى أفق أوسع من الرؤية؛ هناك تعلم كيف تبنى النظريات، وكيف تفكك الخطابات، وكيف تتحول الفكرة إلى قوة ناعمة تشكل الوعي العام، لكنه عاد ليزرع ما تعلمه في تربة الوطن، محولا سبقه العلمي إلى مشروع تأسيسي في بناء الدراسات الإعلامية في السودان، ولم يسع للجنسية الامريكية والتي كانت أمام ناظريه، بل عاد بالتزام اخلاقي للوفاء بشروط البعثة الدراسية.
عمل وكيلا لوزارة الإعلام، فلامس الواقع من داخل مؤسساته، وكانت الإدارة عنده سؤالا أخلاقيا قبل أن تكون ممارسة بيروقراطية، كيف تتحول الكلمة إلى جسر بين الدولة والمجتمع؟ كان يؤمن رحمه الله أنّ الإعلام إن لم يكن مسؤولا صار عبئا، وإن لم يكن حرا صار ظلا باهتا للحقيقة.
حينما تولى عمادة كلية علوم الاتصال في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، كان العميد الذي يرى في كل طالب مشروع فكرة، وفي كل قاعة درس مختبر للوعي، لم يكن التعليم عنده تلقينا، بل حوارا مفتوحا مع المستقبل، وإيمانا بأنّ علوم الاتصال قلب التحولات الاجتماعية والسياسية في عصر الصورة والخبر العاجل؛ كما درس في جامعة أم درمان الإسلامية بكلية الآداب قسم الصحافة والاعلام، رابطا بين أصالة التراث وحداثة النظرية، ومؤكدا أن اللغة أمانة وأن الكلمة قد تبني أمة كما قد تهدم وعيا.
تنقل بين الجامعات أستاذا ومشرفا، فأشرف على عدد كبير من رسائل الماجستير والدكتوراه باللغتين العربية والإنجليزية في جامعات عدة، منها جامعة أم درمان الإسلامية وجامعة إفريقيا وجامعة جوبا وجامعة الجزيرة، وشارك في لجان المناقشة فكان حضوره أشبه بمحكمة معرفية عادلة؛ ينحاز للحجة القوية، ويشجع الاجتهاد، ويقسو فقط حين تكون القسوة إنقاذا للبحث من هشاشته، لم يكن يكتفي بتصحيح الفصول، بل يعيد تشكيل منهج التفكير ذاته، ويعلم الباحثين أنّ الصرامة العلمية لا تتناقض مع الحس الإنساني.
لم تكن علاقتي به علاقة طالب بمشرف فحسب، بل كانت علاقة روح بروح، كان مشرفي في مرحلة الدكتوراه بجامعة الجزيرة، وهناك تعلمت منه ما هو أبعد من مناهج البحث وأدوات التحليل؛ تعلمت كيف يكون العالم إنسانا قبل أن يكون أستاذا، وكيف يكون الحزم العلمي وجها آخر للرحمة. لم يكن يقرأ فصول رسالتي بعين الناقد فقط، بل بعين الأب الذي يريد لابنه أن يبلغ تمام النضج. كان يصحح العبارة ويهذب الفكرة، ثم يرفع رأسه قائلا بهدوئه المعهود: "العلم مسؤولية يا عبدالحليم، فلا تكتب إلا ما تستطيع أن تدافع عنه أمام ضميرك قبل لجان المناقشة." كانت كلماته تختصر فلسفته كلها.
وبيننا كانت زيارات أسرية قبل وفاة زوجته، بنت العمدة يوسف رحمها الله؛ في بيته رأيت وجهه الآخر؛ زوجا وفيا، وأبا حانيا، ومضيفا كريما يفيض أدبا وتواضعا. وهناك خارج أسوار الجامعة، كان العلم يلبس ثوب البساطة، وكانت الألقاب تذوب في دفء المجالس، كنت أرى كيف يمتزج الوقار بالود، وكيف يكون العالم كبيرا من غير أن يشعر من حوله بصغرهم.
كان كثير الصمت، زاهدا في المناصب، وقد عرضت عليه مناصب عديدة فاعتذر عنها جميعا، كأنّه كان يرى أنّ العلم أرفع من أن يثقل كاهله صخب السلطة. كان يميل إلى الظل الهادئ الذي يعمل فيه العقل بلا ضجيج، ولعل هذه الروح تشبه ما قاله الفيلسوف سقراط: "الحكمة الحقيقية هي أن يعرف الإنسان حدود ما يعرف." فقد كان تواضعه العلمي يعكس يقينا عميقا بأنّ المعرفة بحر لا ساحل له، وأنّ العالم كلما اتسعت معارفه ازداد تواضعا.
وقد لخص أستاذي وزميله البروفيسور عثمان أبو زيد صورته حين قال" حسن الزين كان ممتازا خلقا وعلما، ويتسم بتواضع العلماء"؛ وهذا التواضع الذي لا ينبع من ضعف، بل من يقين عميق بأنّ العلم بحر لا ساحل له. وفي إحدى الحكايات التي رواها صديقه بروفيسورعثمان أبو زيد، تتجلى ملامح خفية من روح هذا الرجل. فقد اعتادت قطة أن تدخل المسجد في مشعر منى، وتتخطى الجالسين صفا بعد صف حتى تستقر أمامه، كأنها تهتدي إلى موضع الطمأنينة بين الناس. كان يمرر يده على ظهرها في هدوء، بابتسامته المعهودة، ثم يقول ببساطة: "أبي كان عنده ثلاث عشرة قطة." لكن المشهد كان أعمق من جملة عابرة؛ كأنّه يشي بأنّ الرحمة التي تسكن القلب لا تخفى حتى على الكائنات الصامتة، فالقلب الذي يتسع للعلم يتسع أيضا للخلق، والروح التي تتربى على التوكل والزهد تصبح مألوفة للسكينة.
هكذا عرفت أستاذي البروفيسورحسن محمد الزين؛ أستاذا يشدك إلى أعلى بسقف توقعاته، وإنسانا يقربك إليه بدفء قلبه، لم يكن مشرفا على رسالة علمية فحسب، بل كان شاهدا على مرحلة من عمري ترك فيها أثرا لا تمحوه السنوات؛ أثر المعلم الذي يزرع فيك الثقة، ويغرس فيك النزاهة، ويذكرك دائما أنّ المعرفة إن لم تتوشح بالأخلاق فقدت معناها.
وفي زمن تتبدل فيه المعايير سريعا، يظل أمثاله علامات ثابتة تذكرنا بأنّ المعرفة مسؤولية، وأنّ الكلمة أمانة، وأنّ الأستاذ الحقيقي لا يكتفي بأن يدرس، بل يترك أثرا يشبه الضوء؛ لا يرى في ذاته، لكنه يرى في كل ما يكشفه من معان.
بقلم أ.د.عبدالحليم موسى

بروفسور حسن محمد الزين… بين العلم ودفء الإنسانية
وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://shahdnow.sa/articles/335863/



