نواصل معكم تصفّح صفحات مسودة كتاب “سفراء الوطن… نماء وعطاء” قبيل اعتماده للطباعة، حيث نتوقف في كل قراءة عند سيرةٍ من سير المرشدين السياحيين الذين حملوا رسالة التعريف بالوطن، وجعلوا من الإرشاد السياحي جسراً يربط الزائر بتاريخ المكان وروحه، ويقدّم صورة مشرّفة عن إنسان هذه البلاد وثقافتها العريقة.
وفي هذه المحطة نقف عند سيرة المرشد السياحي وائل عدنان الصائغ، أحد أبناء مكة المكرمة الذين اختاروا أن يكونوا سفراء للمكان بوعيٍ وثقافة، فجمع بين المعرفة التاريخية والحضور الهادئ، وبين حب خدمة الزائر والقدرة على تقديم المعلومة بأسلوبٍ رصين يعكس عمق الانتماء لهذه المدينة المقدسة.
وتجربة الصائغ تمثل نموذجًا للمرشد الذي يدرك أن الإرشاد السياحي ليس مجرد مهنة، بل رسالة معرفية وإنسانية، تُعرّف الزائر بثراء المكان، وتفتح أمامه نافذة لفهم تاريخ مكة المكرمة وحضارتها الممتدة عبر القرون.
وُلد (الصائغ) في مكة المكرمة عام 1397هـ، ونشأ في بيئة تشكّلت ملامحها من قدسية المكان وعمق تاريخه، فكان الارتباط بالموروث المكي والإنسان قبل المهنة. سعودي الجنسية
بدأ مساره العلمي بدراسة دبلوم السكرتارية من جامعة أم القرى عام 1421هـ، ثم واصل تطوير نفسه بالحصول على درجة البكالوريوس في المحاسبة من الجامعة ذاتها عام 1425هـ، قبل أن يتوج رحلته الأكاديمية بـ ماجستير إدارة الأعمال من American University of London عام 2011م، وهو ما أتاح له الجمع بين المعرفة الإدارية، والدقة المالية، والقدرة على التنظيم والتخطيط.
وفي موازاة تعليمه الأكاديمي، حرص (الصائغ) .. على بناء رصيد تدريبي متنوع، شمل دورات في الحاسب الآلي، وإدخال البيانات، ومعالجة النصوص، وإكسل، إضافة إلى برامج تطوير الذات مثل العادات السبع، وتحديد الأولويات، وإدارة الوقت، والتخاطب الجماهيري، والتعامل مع الغضب. كما طوّر مهاراته اللغوية بدراسة اللغة الإنجليزية داخل المملكة وخارجها، حيث التحق بـ Lewis School of English في بريطانيا، ثم واصلها عبر المركز السعودي البريطاني بمكة المكرمة.
ومع تنامي اهتمامه بالقطاع السياحي، خضع (الصائغ) لبرامج متخصصة في الإرشاد السياحي وتأهيل المرشدين في النشاطات السياحية، ومهارات التعامل مع السائح، والأمن والسلامة في القطاع السياحي، والتعريف بنظام السياحة، إضافة إلى دورات في لغة الإشارة لذوي الاحتياجات الخاصة، وتقنيات السيطرة على الضغوط، وتقدير الذات والثقة بالنفس، ما أسهم في تشكيل شخصية مهنية متوازنة، قادرة على التعامل مع مختلف أنماط الزوار.
عمليًا، تنوّعت خبرات (الصائغ).. بين العمل التنظيمي والإداري والميداني. عمل مضيف استقبال في المعارض، وشارك في استقبال الحجاج ضمن مؤسسة مطوفي الدول العربية بين عامي 1436 و1438هـ، ثم مارس دور المرشد السياحي بالتعاون مع الهيئة العامة للسياحة عام 1438هـ، ولا يزال يمارس الإرشاد السياحي التاريخي حتى اليوم من خلال مكاتب تنظيم متخصصة. كما مثّل مهنة الصائغ في جناح مكة بمهرجان الجنادرية الوطني منذ عام 1434هـ، مقدمًا صورة حيّة عن الحرف المكية الأصيلة.
وفي القطاع الخاص، تنقّل بين عدة مواقع إدارية وتجارية، بدءًا من محاسب وبائع، وصولًا إلى مدير مبيعات، ثم مدير مشتريات، ومدير محل في منشآت عائلية متخصصة في المشغولات والهدايا، وهو ما عزز خبرته في الإدارة والتسويق والتفاوض. ويعمل حاليًا مصمم هدايا تراثية، يركز في أعماله على تراث مكة المكرمة، جامعًا بين الحرفة والهوية.
يهوى (الصائغ) القراءة والسفر، ويحرص على حضور المعارض الدولية، مؤمنًا بأن الاطلاع والتجربة هما أساس التطور. وتبرز مهاراته في القدرة على الإنجاز، وحسن التفاوض، والعمل تحت الضغط، إلى جانب شغفه الدائم بتطوير ذاته وخدمة المكان الذي ينتمي إليه.
بهذه المسيرة المتنوعة، يجسد وائل الصائغ نموذجًا للمرشد السياحي الذي جمع بين العلم، والتدريب، والخبرة الميدانية، والحرفة التراثية، مقدّمًا صورة مهنية تعكس روح مكة المكرمة، وتخدم رسالتها التاريخية والإنسانية.



