وصلتني صورة بدت في ظاهرها عادية، لكنها في حقيقتها كانت بليغة الدلالة، عميقة المعنى، تحمل بين تفاصيلها قصة من الوفاء وامتداد القيم بين جيلين. صورة جمعت الابن ماهر بن محمد بكر برناوي بالقامة العلمية الدكتور علي بكر برناوي، رفيق درب والده.
وقفت عند تلك الصورة طويلاً؛ فمثل هذه اللحظات لا تتكرر كثيراً. إنها لحظة يلتقي فيها زمنان في مكان واحد: زمن الآباء الذين أفنوا أعمارهم في خدمة الحجاج والمعتمرين، وعاشوا في الحي وفق أنبل صور الأخوّة، وزمن الأبناء الذين يرثون تلك القيم ويواصلون الطريق ذاته بروحٍ متجددة.
فبعد سنوات طويلة من الرفقة والجيرة والأخوّة التي جمعت والد ماهر محمد بكر برناوي برفيق دربه الدكتور علي بكر برناوي، يأتي العمل التطوعي ليختصر المسافة بين جيلين، وليجمع الابن اليوم برفيق والده في المشهد ذاته وتحت الرسالة نفسها.
وما يلفت النظر في هذه الصورة ليس مجرد لقاء عابر أو صورة تذكارية، بل ذلك المعنى الإنساني العميق الذي تحمله؛ فالفارق العمري الكبير بين الابن وصديق والده لم يكن حاجزاً، بل كان جسراً من المحبة والاحترام صنعته سنوات العطاء والعمل في خدمة ضيوف بيت الله الحرام.
وهكذا هي القيم الأصيلة؛ لا تُكتب في الكتب بقدر ما تُورَّث بالمواقف. فالآباء حين يغرسون في أبنائهم حب الخير وخدمة الناس، فإنهم في الحقيقة يتركون لهم ميراثاً أثمن من المال، ميراثاً من الأخلاق والعادات الحسنة التي تبقى وتثمر عبر الأجيال.
وفي تلك البقعة الطاهرة، عند البيت العتيق، بدت الصورة وكأنها رسالة صامتة تقول إن دروب الخير لا تنقطع، وإن خدمة ضيوف الرحمن مدرسةٌ يتخرّج منها جيل بعد جيل، يحمل المشعل ذاته، ويواصل المسيرة بذات الروح التي بدأت بها الحكاية.




