الأسرة هي النواة الأولى للمجتمع، وهي المكان الذي تُبنى فيه القيم وتتكوّن فيه شخصية الإنسان. وقد قامت الأسرة عبر التاريخ على مبدأ التكامل بين الرجل والمرأة، فلكلٍ منهما دور مهم لا يكتمل البناء بدونه. لكن في بعض المجتمعات اليوم بدأ يظهر خلل واضح في هذا التوازن، حين تتضاعف مسؤوليات المرأة بينما يتراجع دور الرجل أو يصبح هامشيًا، مما يخلق حالة من الاتكالية وعدم تحمّل المسؤولية لدى بعض الرجال.
ليس المقصود من الحديث عن الأدوار أن يكون هناك صراع بين الرجل والمرأة، بل المقصود هو التكامل. فالرجل ليس مجرد اسم داخل الأسرة، بل هو قائد ومسؤول وشريك حقيقي في بناء البيت وتربية الأبناء. وكذلك المرأة ليست مجرد من تؤدي الواجبات المنزلية، بل هي شريكة في التربية وصناعة الاستقرار العاطفي داخل الأسرة.
لكن المشكلة تظهر عندما تتحمل المرأة كل الأعباء: تربية الأبناء، إدارة المنزل، الاهتمام بالتعليم، وحتى أحيانًا المسؤوليات المالية، بينما يقف الرجل موقف المتفرج أو الغائب. في هذه الحالة لا يقتصر الضرر على المرأة فقط، بل يمتد إلى الأبناء الذين يكبرون وهم يفتقدون حضور الأب الحقيقي في حياتهم. فوجود الأب ليس مجرد وجود جسدي، بل هو قدوة وتوجيه وأمان نفسي.
الأب الذي لا يشارك في تربية أبنائه يفقد مع الوقت تأثيره عليهم، وقد يصبح مجرد شخص يعيش في المنزل دون دور فعلي. ومع مرور الزمن ينعكس ذلك على شخصية الأبناء، فقد يشعرون بالفراغ العاطفي أو يفتقدون النموذج الذي يتعلمون منه معنى المسؤولية والرجولة.
وفي المقابل، فإن تحميل المرأة كل المسؤوليات يرهقها نفسيًا وجسديًا، ويجعلها تعيش تحت ضغط دائم. فالأسرة الناجحة لا تقوم على طرف واحد، بل على شراكة حقيقية يشعر فيها كل طرف بأن له دورًا واضحًا ومسؤولية مشتركة.
إن الحل لا يكمن في تبادل الاتهامات، بل في إعادة الوعي بدور كل فرد داخل الأسرة. فالرجل يحتاج أن يدرك أن الأبوة ليست لقبًا فقط، بل مسؤولية يومية تبدأ بالاهتمام بأبنائه والوقوف إلى جانب زوجته. كما أن المجتمع بحاجة إلى تعزيز ثقافة المشاركة والتعاون داخل البيت، بدل ترسيخ فكرة أن أحد الطرفين يتحمل كل شيء.
الأسرة القوية ليست تلك التي يعمل فيها شخص واحد ويستريح الآخر، بل هي التي يتقاسم فيها الطرفان المسؤولية بروح من الاحترام والتفاهم. وعندما يدرك الرجل والمرأة أن نجاح الأسرة هو مسؤولية مشتركة، فإن البيت يتحول إلى بيئة صحية ينمو فيها الأبناء بثقة وتوازن.
في النهاية، لا يمكن أن يستقيم بناء الأسرة إذا غاب أحد أعمدتها. فالرجل الحقيقي لا يهمّش دوره ولا يهرب من مسؤولياته، بل يكون حاضرًا في حياة أبنائه، داعمًا لزوجته، مشاركًا في صنع الاستقرار . بيتٌ ترفرفُ فيه روحُ الأُلفةِ
تلقى السعادةَ في زوايا رُكنِهِ




