حين تمتلئ اليابسة ضوضاء ، ويزيد صخب الحياة اليومية، يفتح البحر أبوابه لعالمٍ آخر لا يُشبه إلا نفسه؛ عالمٌ تسكنه السكينة، وتغمره الدهشة، وتنساب فيه المخلوقات في تناغمٍ يعجز الوصف عن الإحاطة به. هناك، في الأعماق، لا يكون الغوص مجرد هواية، بل رحلة تأملٍ في ملكوت الله، تتجلى فيها عظمة الخالق في أدق التفاصيل.
لكنني أكتب هذه الكلمات اليوم… والحزن يعتصرني ، حزنٌ على ما يتعرض له هذا الجمال من عبثٍ إنساني لا يرحم؛ سفنٌ تُغرق، ألغامٌ تُزرع، صواريخ تُطلق، ونيران تشتعل في عرض البحر، دون اكتراثٍ بعالمٍ حيٍّ لم يعتدِ على أحد، بل ظل يخدم الإنسان، يمنحه الغذاء والسكينة والجمال.
لقد كانت تجربتي في الغوص في البحر الأحمر والخليج العربي واحدة من أكثر التجارب التي تركت أثرًا عميقًا في نفسي؛ فهذا البحر ليس مجرد مسطحٍ مائي، بل لوحة إلهية نابضة بالحياة، تُعد من أجمل البيئات البحرية في العالم. وما إن تغوص في أعماقه حتى تنتقل إلى عالمٍ آخر، حيث الصمت له لغة، والحركة لها موسيقى، والألوان تنطق بعظمة الخلق.
في تلك اللحظات، حين تحيط بك المياه من كل جانب، تشعر أنك تحررت من ثقل الأرض، ودخلت فضاءً من الصفاء والسكينة. ترى الشعاب المرجانية كأنها حدائق غنّاء تحت الماء، تتدرج ألوانها بين الأحمر والبرتقالي والبنفسجي، وكأنها لوحات مرسومة بعناية إلهية لا تُضاهى.
وفي غوصاتنا حين ننثر بعض الطعام، تتجمع الأسماك حولنا في مشهدٍ يأسر القلب قبل العين؛ أسرابٌ تتراقص بانسيابية، وتتماوج بألوانٍ زاهية، وكأنها تحتفل بالحياة في عالمٍ لا يعرف الضجيج. هناك أدركت أن هذه الكائنات ليست مجرد مخلوقات، بل آيات حيّة تُذكّر الإنسان بعظمة الخالق وقدرته.
غير أن هذا الجمال اليوم مهدد…مهددٌ بفعل الإنسان الذي لم يكتفِ باستنزاف الأرض، بل امتد عبثه إلى أعماق البحر، يُدمّر بيئةً متكاملة، ويهدد كائناتٍ بريئة لا ذنب لها، سوى أنها تعيش في عالمٍ خلقه الله متوازنًا وجميلاً.
إن الغوص في أعماق البحر الأحمر ليس مجرد تجربة بصرية، بل حالة وجدانية عميقة؛ تذوب فيها الفوارق بين الإنسان والطبيعة، ويتحوّل المشهد إلى لحظة تأملٍ صافية. هناك، حيث يعلو صوت الداخل، وتخفت ضوضاء الخارج، يدرك الإنسان عظمة هذا الكون، وصِغَر حجمه أمام هذا الإبداع الإلهي.
إنها لحظات تعيد ترتيب الروح… لكنها اليوم تختلط بالألم ، ألمٌ على بحرٍ كان ملاذًا للسكينة، فأصبح ساحةً للدمار.
وهكذا يبقى البحر الأحمر والخليج العربي … كتابًا مفتوحًا من آيات الجمال، لا يُقرأ بالعين فقط، بل يُعاش بالقلب. غير أن صفحاته اليوم تُهدَّد بالتمزق، وتحتاج إلى وعي الإنسان قبل أن تضيع، ويصبح الجمال ذكرى… والدهشة حكاية تُروى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
*غواص مياه مفتوحة ، وناشط بيئي




