مع انقضاء شهر رمضان المبارك ، علينا ونحن نودعه شهر أن نراجع أعمالنا ونتذكر أفعالنا وما قدمناه ، وندرك أن الأثر الطيب يبقى أثرا وإرثا خالدا يتركه صاحبه في قلوب الناس بأخلاقه الحسنة ، وإن الكلمة الطيبة تمثل ثروة الإنسان في حياته وبعد مماته ، لا تفنى ولا تنسى ، ويجني ثمارها في حياته بما يلقاه من محبة الناس ودعواتهم الصادقة له .
أما ذاك الذي غرته الحياة الدنيا وزينتها ، واعتقد أنه الأفضل والأجدر لهذا المنصب ومارس حقده على الآخرين ، ونظر بحسد لسعادة هذا وراحة ذاك ، وعرف بسوء خلقه وتكبره ، وكثرة أذاه للناس وأكل أموالهم بالباطل ، فعليه أن يتذكر بأن "دوام الحال من المحال" فلا يغتر بما هو عليه من الصحة والجاه والمال فجميعها إلى زوال ولا يبقى إلا الذكر الحسن المرتبط بالأخلاق.
إن شهر رمضان المبارك يمثل مدرسة إيمانية وتربوية لتهذيب النفس ، وهو فرصة لتطهير القلوب من الغرور والكبرياء ، يتذكر فيها المؤمن قول الحق تبارك وتعالى : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}
وما رواه جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (يا أيها الناسُ! إنَّ ربَّكم واحدٌ، وإن أباكم واحدٌ، ألا لا فضلَ لعربيٍّ على عجميٍّ، ولا لعجميٍّ على عربيٍّ، ولا لأحمرَ على أسودَ، ولا لأسودَ على أحمرَ إلا بالتقوى إنَّ أكرمَكم عند اللهِ أتقاكُم، ألا هل بلَّغتُ؟
قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ قال: فيُبَلِّغُ الشاهدُ الغائبَ).
إن شهر رمضان قد انقضى وهناك من ذاق فيه حلاوة العبادات وحسن الدعوات ، ونال فيه الحسنات ، وهناك من رفع الناس أيديهم للدعاء عليه بتكبره وغروره ، وأكل أموالهم بالباطل .
وإن انقضى رمضان ، فإن عمل المسلم لا ينقضي إلا بمفارقة روحه لجسده ، قال تعالى : } وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ { ،
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "قَالَ اللَّهُ تبارك وتعالى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ" .
وإن كان هذا جزاء العمل الصالح الذي يبقى ملازما للإنسان ، كما قال تعالى : ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾ ، وقوله تعالى : ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾
وأقول لأولئك الذين ملى التكبر قلوبهم والغرور أجسادهم ، وأعمى الحقد والحسد أعينهم ، وتفاخروا بإساءتهم للآخرين والإضرار بهم ، انظروا لقول الحق تبارك وتعالى : ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِا لْمِرْصَادِ).
وتذكروا قول عمرُ بنُ الخطَّابِ رضِي اللهُ عنه : " حاسِبوا أنفسَكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنوا أنفسَكم قبل أن تُوزنوا، فإنَّه أخفُّ عليكم في الحسابِ غدًا أن تُحاسِبوا أنفسَكم اليومَ وتزيَّنوا للعَرضِ الأكبرِ "
وتذكروا بان الأثر الطيب يبقى إرثا خالدا يتركه صاحبه في قلوب الناس فيتناقلونه جيلا بعد ، والكلمة الطيبة ثروة الإنسان في حياته وبعد مماته .
أما ذاك الذي غرته الحياة الدنيا وزينتها ، فإن دعاء الناس عليه لا يتوقف .
قال شوقي :
دقات قلب المرء قائلة له
ان الحياة دقائق وثواني
فأرفع لنفسك بعد موتك ذكرها
فالذكر للإنسان عمر ثاني
ـــــــــــــ
للتواصل :
ahmad.s.a@hotmail.com
ashalabi1380@




