أنعى رجلاً عاش بين أجدادي وأعمامي وخوالي، وبين كل من ينتمي إلى عائلتي الكريمة، بحكم الجيرة المتأصلة منذ سنوات طويلة. منذ صغري، شعرنا بقوة تلك العلاقة بين أهلنا وأهله، حتى كنا نشعر أننا أقرباء بسبب التواصل الدائم في المناسبات السعيدة منها والحزينة.
أتحدث عن إنسان طيب القلب. ومن حقنا -وهو يرحل إلى دار القرار- أن نذكر بعض محاسنه. يكفي أن أقول: حتى لو زعل على أحد، لم يعرف الحقد يوماً، كان سريع الرضا والمسامحة، صاحب سعة صدر رحبة، يضحك مع الصغير والكبير. فكيف لجاسم المحمد صالح -بهذه الصفات الجميلة- أن يُنسى؟ وكيف لا نحزن على فراقه الذي أفجع كل من عاشره بصدق، وكان بقربه يشعر بالأنس والطمأنينة؟
يا بو محمد، خبر رحيلك لم يكن سهلاً علينا أبداً. لا أنسى تلك الصدمة حين كنت في وسط عملي، رفعت هاتفي ودخلت سناب شات، فرأيت صورة مألوفة وضعها أحد أبناء عمي، وإلى جانبها الآية الكريمة: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. كان الخبر مفجعاً، كأنه حلم عابر، لكننا مؤمنون بقضاء الله وقدره، وكلنا سائرون على هذا الدرب. ومع ذلك، يبقى فقد العزيز مرّاً، وجرحاً لا يندمل.
رحلتَ يا جاسم، وأنت لم تترك أبناءً يحملون اسمك، لكن تذكّر أن لك أبناء أخٍ وأختٍ لن ينسوك ما داموا أحياء، وسيظلون ينقلون سيرتك الطيبة إلى أبنائهم وأحفادهم. وحتى أبناء أصدقائك الذين كانوا يعدّونك بمثابة العمّ، سيترحمون عليك ويدعون لك بالرحمة والمغفرة كلما تذكروك وخطر اسمك ببالهم.
ختاماً، يقول الإمام علي بن أبي طالب: «فقد الأحبة غربة».
رحمك الله يا بو محمد، وأسكنك فسيح جناته، وألهم أهلك ومحبيك الصبر والسلوان.




