سقطت الستارة عن مسرح لم يختر الممثلون فيه أدوارهم، ولم يقرأ الجمهور نص العرض، ففي هذه البقعة الممتدة من الوجع إلى الوجع، يقف الإنسان العربي كشجرة زيتون عتيقة، جذورها غائرة في عمق التاريخ وأغصانها تتلقى شظايا حديد لا يعرف لغتها ولا يرحم خضرتها، لقد تحولت الديار بفعل فاعل وقصد مبيت إلى رقعة شطرنج عالمية، بيد أن الأحجار التي تنقل فوقها بدم بارد ليست من العاج الصامت، بل من لحم ودم وأحلام مجهضة، فمن جهة، يطل التنين العابر للمحيطات بآلته الباردة وجبروته التقني وحساباته التي لا تعترف إلا بالأرقام والنفط والمصالح العابرة للقارات، ومن جهة أخرى، يبرز الوحش الإقليمي بعباءته الأيديولوجية وطموحاته التوسعية التي تتغذى على رماد العواصم المنكوبة، وبينهما تقف المدن العربية كحمامة وديعة غرس في ريشها نصل الغدر، فما ذنب الحقل الأخضر إذا تبارع الرعد والبرق في إحراقه؟ وما شأن السنابل المثقلة بالخير بصراع الغيوم السوداء على السيادة والسطوة؟ إنها الحرب التي لا ناقة لنا فيها ولا جمل، لكن المفارقة المرة أننا نحن الناقة التي تنحر في وليمة المنتصرين، ونحن الجمل الصبور الذي يحمل أوزار الهزائم وانكسارات الآخرين فوق ظهره المنحني، تقصف المآذن وتهدم القباب لتصل رسالة سياسية مشفرة من عاصمة بعيدة إلى عاصمة أبعد، وتسوى المدارس بالأرض لتعزيز موقف تفاوضي أو كسب ورقة ضغط خلف طاولة مرصعة بالذهب في مدينة هادئة لا يصلها غبار البارود ولا صراخ الثكالى، إن المأساة الحقيقية ليست في مجرد انفجار القذيفة، بل في تلك المعادلة الظالمة حيث يكون الذي ضغط على الزناد والذي سقط صريعا تحت الأنقاض، كلاهما مجرد وقود لموقد يشعله الغرباء ليدفئوا به صقيع مصالحهم ومطامعهم، لقد أجبر العربي في أرضه على أن يكون مشاهدا سلبيا لموته، وحطبا جافا لنار غريبة لا تترك وراءها سوى السواد والعدم، فكيف ينام الضمير العالمي والديار تستباح لتصفية حسابات لا تعني قاطنيها؟ إن استنزاف الأوطان في صراعات الوكالة هو جريمة العصر، حيث تدفع الشعوب نحو هاوية الفقر والجهل والشتات من أجل نصر موهوم يحققه طرف خارجي على حساب جثة الوطن، ولن يستقيم الظل والعود أعوج، ولن تنتهي هذه الملحمة الدامية وحروب الآخرين على أرضنا ما لم ندرك يقينا أن السيادة ليست مجرد شعار يرفع في المحافل، بل هي سياج منيع يبنى بالوحدة والوعي ورفض التبعية، إن كرامة هذه الديار وأرواح ساكنيها أغلى من أن تكون مجرد صندوق بريد لرسائل الدم، وأسمى من أن تزج في أتون صراع عبثي لا يحصد فيه العرب في نهايته سوى الدموع والخراب، بينما يتبادل الخصوم الحقيقيون الأنخاب والابتسامات فوق رفاتنا المنسية في غياهب النسيان، وإن الخروج من تيه هذه الحروب المسلوبة الإرادة لا يبدأ بانتظار رحمة السماء أو عدالة القوى التي تقتات على تمزقنا، بل يبدأ بزلزال وعي يضرب العقل العربي أولا، ليدرك أن استئجار الأرض لتصفية حسابات الغرباء هو انتحار مغلف بالولاءات الزائفة، فلا نجاة لهذه الديار إلا بقلب الطاولة على مقامري السلاح، وتحصين البيت الداخلي بوفاق حقيقي يجعل من الإنسان العربي غاية لا وسيلة، وقيمة لا رقما في بورصة النزاعات، فما لم نتحول من ساحة يلعب فيها إلى لاعب يفرض شروطه، ستظل أراضينا محض مسارح مفتوحة لمآس متجددة، وسيبقى حلم الاستقرار بعيد المنال ما دام صمام أماننا في قبضة غيرنا، إن فجر الخلاص يكمن في صياغة مشروع جامع يرفض أن يكون وقودا لمحاور الآخرين، ويؤمن بأن قطرة دم واحدة في أزقة عواصمنا أغلى من كل انتصارات الأيديولوجيات العابرة للحدود، فإما أن نكون أسياد قرارنا فوق ترابنا، أو سنبقى أبد الدهر غرباء في أوطاننا، نشيع الضحايا وننتظر الدور في مقتلة لا تنتهي فصولها.
وصلة دائمة لهذا المحتوى : https://shahdnow.sa/articles/337447/




