في ليلٍ قريبٍ من ليلٍ بعيد، تغيّر التاريخ… لكن لم تتغيّر الوجوه كثيرًا .
تبدّلت الشعارات، تبدّلت البيانات، تبدّلت الميكروفونات، لكن النبرة ذاتها، والارتباك ذاته، والصمت ذاته… كأن عقارب الساعة العربية توقّفت في أغسطس 1990، وأصرّت أن تعيد المشهد بنسخة «محدّثة» مع قليل من الفلاتر وكثير من التبرير .
عندما اجتاحت قوات العراق أرض الكويت، انقسمت المواقف العربية إلى مدارس:
مدرسة أدانت بخجل، مدرسة صمتت ببلاغة، مدرسة برّرت بوقاحة، ومدرسة قالت: «دعونا ننتظر اتضاح الصورة»… وكأن الدبابات كانت تمشي على أطراف أصابعها كي لا تُزعج وضوح الصورة!
يومها، كان المعتدي واضحًا كالشمس، والضحية واضحة كالقمر، لكن بعض الأشقاء كانوا يفضّلون النظر إلى الكسوف .
واليوم… بعد عقود، يعود المشهد بديكور مختلف .. لا دبابات هذه المرة، بل صواريخ. لا احتلال معلن، بل «رسائل نارية». لا بيانات حماسية، بل بيانات متحفظة تتحدث عن «ضبط النفس من جميع الأطراف»… وكأن الكويت أصبحت فجأة «طرفًا» في قصفٍ لم تطلبه، ولم تشارك فيه، ولم تُدعَ إليه !!
في 1990 قيل : «نخشى التصعيد».
واليوم يُقال : «نخشى التصعيد».
كأن التصعيد لا يحدث إلا إذا تكلّم العرب، أما إذا سكتوا فهو مجرد سوء تفاهم جوي .
في الأمس، كانت بعض العواصم ترى أن الوقوف مع الكويت قد يزعج «التوازنات».
واليوم، ترى العواصم ذاتها أن إدانة قصف الكويت قد يزعج «الحساسيات الإقليمية».
تغيّر المصطلح من «التوازنات» إلى «الحساسيات»، لكن النتيجة واحدة : الحذر أهم من الحق .
في 1990، كان هناك من يتساءل:
«هل تستحق الكويت كل هذا التضامن؟»
واليوم يُسأل السؤال ذاته بصيغة أكثر دبلوماسية :
هل من الحكمة التورّط في بيانات حادة ؟
يا لبلاغة الحذر حين يصبح بديلاً عن الشجاعة !!
المفارقة الساخرة أن بعض الدول التي كانت تتحدث عن «الحلول العربية» عام 1990، أصبحت اليوم تتحدث عن «الحلول الدولية»، وكأن العرب جرّبوا أنفسهم يومًا ثم قرروا الاستقالة من عروبتهم السياسية
الأمس قالوا: الخلاف عربي–عربي.
واليوم يقولون: الوضع معقّد.
وفي الحالتين، كانت الكويت وحدها تدفع فاتورة هذا التعقيد .
الكويت التي لم تكن يومًا طرفًا في نزاعات الآخرين، تجد نفسها دائمًا في مرمى نيران البيانات المرتبكة .
وطن صغير في الجغرافيا ، كبير في اختبار الضمائر .
ما أشبه الليلة بالبارحة ، ليس لأن الأحداث متطابقة ، بل لأن ردّات الفعل متطابقة !!
البيانات ذاتها التي تبدأ بـ«نعرب عن قلقنا»، وتنتهي بـ«ندعو جميع الأطراف إلى ضبط النفس»، دون أن تذكر من الذي ضغط على الزناد أصلًا .
في 1990، كان هناك من يخشى أن يُغضب بغداد .
واليوم، هناك من يخشى أن يُغضب طهران .
وبين الخشيتين، تبقى الكويت هي «العبارة المحذوفة» من النص !!
الكويت التي كانت ضحية احتلال ، وأصبحت اليوم ضحية «حياد لغوي» بارد .
والمشهد العربي ؟
يمارس هوايته الأثيرة: مشاهدة الحريق… ثم إصدار بيان عن خطورة النار
ما أشبه الليلة بالبارحة…
ليس لأن التاريخ يعيد نفسه
بل لأن الذاكرة العربية تصرّ أن تنساه !!
-
ــــــــ
*أكاديمي كويتي




